نفحات القرآن - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٣٨٧
ومن المسلّم أنّ لكل واحدة من هذه المسائل من حيث الماهيّة والمحتوى بحثاً خاصاً ومفصلًا سنتطرق إليها جميعاً في محلّها الخاص، ولكن يتوجّب هنا فقط أن نبحثها من ناحية عدم وجود تضاد فيما بينها وبين مسألة العدل الإلهي.
أمّا بالنسبة للشفاعة فالذين يعتقدون بأنّ الشفاعة معناها أن يشفع النبي صلى الله عليه و آله، أو إمام معصوم عليه السلام، أو ملك مقرب في دخول مذنب معين الجنّة، في حين من المقرر أن يدخل نظيره في الذنب والظروف النار، يحق لهم أن يعتقدوا بتضاد مثل هذه الشفاعة مع أصل العدل.
ولكن نظراً لكون الشفاعة تخص الذين أبدوا من ناحيتهم لياقة خاصّة في هذا المجال، وحازوا على حق شفاعة الشافعين بالأعمال الصالحة، بحيث صار وعد الشفاعة من الناحية العملية درساً تربوياً لإصلاح المذنبين وسوقهم نحو الصراط المستقيم أو مانعاً لهم على الأقل من زيادة التلوث بالذنوب، يتضح جيداً عدم انتفاء مسألة الشفاعة مع عدالة اللَّه وحكمته، بل تؤكّدها كذلك [١].
وأمّا مسألة «الجبر والتفويض»، فالذي يتنافي مع العدل هو مسألة «الجبر»، فإمّا أن نقول بالجبر وننكر العدالة، وإمّا الاقرار «بالعدل» وترك «الجبر» وكما لاحظتم في البحوث السابقة فقد اضطرّ المعتقدون بالجبر إلى مسألة العدالة، وهذه إحدى أكبر الإشكالات على مذهبهم.
نكرر بأن ليس الهدف هو طرح مسألة الجبر والتفويض ودلائل بُطلان الجبر، فلها محل أخر خاص بها، والهدف الوحيد هنا هو النظر إليها بمنظار مسألة العدالة لنرى هل يمكن أن يُجبر أحدٌ على ذنبٍ معين ثم يُعاقبُ عليه، فمن الواضح أنّ هذا السؤال يجاب عنه بالنفي، وأمّا بالنسبة إلى مسألة «القضاء والقدر» و «مصير الإنسان» بالشكل الذي سيمر علينا في بحث القضاء والقدر، فإنّ المفهوم الواقعي والمنطقي «للقضاء والقدر»، ليس بمعنى التقدير المُسبق لمصير الإنسان، من حيث السعادة والشقاء، والطاعة والمعصية، بشكل إجباري
[١] لزيادة الإطلاع راجع التفسير الأمثل، ذيل الآيتين ٤٧ و ٤٨ من سورة البقرة.