نفحات القرآن - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٣٨٨
وحتمي وغير قابل للتغيير، فليست هذه المسألة بأكثر من خرافة، أي حمل بعض الجهلاء مسألة «القضاء والقدر الإلهي»، على هذا المعنى، فالقضاء والقدر الإلهي يشير من جهة إلى قانون العلية، أي أنّ اللَّه قدّر نجاح وتوفيق الساعين العاملين، وأفشل الكسالى والخاملين «ووجود بعض الإستثناءات المحدودة لا تُلغي كُليّة هذه المسألة».
وكذا تعلق القضاء والقدر الإلهي بعمل الإنسان بأن يسعد المطيعون، ويشقى العاصون ويهزم الذين يَسلكون طريق الفرقة والاختلاف.
والقضاء والقدر الإلهي هكذا دائماً، ومن المُسلّم تناغمه الكامل مع مسألة العدل الإلهي إن فُسّر بهذا الشكل، وإن حملناه على ما فسّره بعض الجهلاء فسوف يتنافى مع العدل الإلهي، وليس هنالك طريق لحل هذه المعضلة [١].
وأمّا مسألة تفاوت الناس من حيث الفقر والغنى، فهي أيضاً مسألة من قبيل القضاء والقدر الإلهي المشروط، أي أنّ الأفراد أو الشعوب المثابرة، المنظمة، والمتحدة أغنى من الأفراد والشعوب الكسولة العديمة النظم والإتحاد عادة، ونحن نلاحظ نماذج عينية لها في مجتمعنا والمجتمعات العالمية، ولا يُمكن للموارد الاستثنائنة أن تُلغي هذا الأصل الكلّي.
أجل، فهنالك موارد أيضاً يفرض الفقر فيها على فرد أو مجتمع معين من الخارج، ويؤدّي الاستعمار والاستثمار من قبل جماعة إلى فقر واستضعاف جماعة اخرى، وهذه المسألة أيضاً لا تفسح المجال للتشكيك بمسألة العدل الإلهي، فلا ريب في أنّ اللَّه قد منح الإنسان الحرّية، لأنّه تعالى لو لم يفعل لما أمكن سلوك طريق التكامل تحت ظروف الجبر، ولا ريب أيضاً في قيام جماعة باستغلال هذه المسألة بصورة سيئة، وطبعاً سينتصر اللَّه للمظلوم من الظالم، ولكن إذا كان من المقرر أن تؤدّي الإستغلالات السيئة إلى سلب اللَّه الناس الحرّية بصورة تامّة لتعطلت قافلة السير التكاملي الإنساني، هذا من جهة ومن جهة اخرى، إن سوء استغلال العباد لنعمة الحرية لا تخدش عدالة اللَّه أصلًا [٢].
[١] ولتمام التوضيح حول مسألة القضاء والقدر والمصير راجع كتاب دوافع ظهور المذاهب، ص ١٧- ٤١، والتفسير الامثل ذيل الآية ٤٩ من سورة القمر.
[٢] ورد توضيح أكثر حول هذا البحث في نفحات القرآن، ج ٢، ص ٢٩٠- ٢٩٤.