نفحات القرآن - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٣١٧ - إنّ اللَّه لا يظلم أحداً
أمّا الآية الثامنة فعلى خلاف الآيات السابقة، التي كانت تتحدث عن نفي الظلم، أكّدت إثبات القِسط والعدل كسُنّة دائميّة وأبديّة، قال تعالى: «شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لَاإِلَهَ إِلَّا هُوَ وَالمَلَائِكَةُ وَأُولُوا العِلمِ قَائِماً بِالقِسطِ».
والجدير بالإنتباه هو كون العدالة الإلهيّة من أحد شروط (الشهادة)، وعدالته شرطٌ لمنع عباده عن أي انحرافٍ عن طريق الحق، وتمّ التأكيد هنا على عدالة اللَّه لتكميل شهادته، وهذه العدالة تثبت بوضوح بنظرةٍ عميقةٍ واحدة إلى عالم الوجود، لأننا نرى كُلّ شيءٍ في محلّه، ونشاهد منتهى الدقة والإستحكام في النظام الموجود في الوجود، وإذا لاحظنا وجود بعض العيوب في بعض حوادث وأشياء العالم، فإنّها تتضح لنا شيئاً فشيئاً بزيادة التدقيق والتطور العلمي، وإن بقيت حالات نادرة في قيد الإبهام، فإننا وبأخذنا بنظر الاعتبار الحوادث المكتشَفة في العالَم، سنعلم بأنّ سبب بقاء إبهامها هو جهلنا وقلّة علمنا.
ومن جهةٍ اخرى، إنّ عدالة اللَّه دليل أيضاً على وحدانيته، لأنّه لو كان هنالك خالقٌ وحاكمٌ في الوجود سواه لأدّى إلى حدوث اختلاف في التدبير والفساد بالنتيجة، وعليه فإنّ النظم الموجودة، ووحدة التدبير خيرُ دليلٍ على وحدانيتة.
هذا فإنّ وحدانيته تدل على عدله، وعدله يدل على وحدانيته، وهذا مطلب ظريف يُستحصَلُ من الآية أعلاه [١].
والظريف (هو استدلال الزمخشري في الكشاف بهذه الآية على نفي الجبر، لأنّ الجبر يتنافى مع عدالة اللَّه).
وهذا مطلب واضح سنتطرق إليه في البحوث القادمة إن شاء اللَّه، فأي ظُلمٍ أكبر من أن يجبر شخصٌ أحداً على فعلٍ معين ثم يؤاخذه عليه ويعاقبه؟
لكن الفخر الرازي، وانطلاقاً من تعصُّبه الخاص حول هذه المسألة، تهجمّ بشّدة على صاحب الكشّاف ووصفه عدّة مرّات بالمسكين أو بغير المحيط بجميع رموز العلم، وتوسّل بالإشكال الشهير المعروف (بعلم اللَّه) في مسألة الجبر، وهو إن لم يعصِ المذنبون ولم
[١] تفسير الميزان، ج ٣، ص ١١٩ (مع شيء من الأقتباس).