نفحات القرآن - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٣١٥ - إنّ اللَّه لا يظلم أحداً
النصارى الذين كانوا يعتقدون لأنفسهم من قبيل هذه الأمور (حول شأن نزول هذه الآية، أشار الكثير من المفسّرين إلى إدعاءات هاتين الفئتين).
فالقرآن يقول (إنّ هذه التزكية الناشئة من التعصُّب والعُجب والغرور، لا قيمة لها، إنّما القيمة في تزكية اللَّه من يشاء من عباده)، قال تعالى: «بِلِ اللَّهُ يُزَكّى مَنْ يَشَاءُ وَلَا يُظلَمُونَ فَتِيلًا».
أجَل، إنّ علمه بجميع وجود الإنسان، ظاهره وباطنه، خلقه وطبعه، أعماله السريّة والعلنية، يؤدّي إلى أن تكون تزكيته لفردٍ ما حقانية، أي لا أقل ولا أكثر من اللازم، في حين أنّ تزكية الآخرين مشوبة بالجهل في أبعاد مختلفة، ومصحوبة بأنواع الحب والبغض والغفلة والغرور.
وعليه فانَّ الكلام في هذه الآية يدور فقط حول الظلم وتجاوز الحد بالنسبة إلى تزكية الأشخاص من قِبلِ اللَّه سبحانه وتعالى، ولكن يُحتمل أيضاً أن تكون هذه الجملة إشارة إلى الذنب الكبير الذي كان يرتكبه المزكّون أنفسهم بسبب عجبهم، لأنّهم كانوا يعتقدون بخصوصيّتهم عن غيرهم واستحقاقهم لكل ألوان الكرم الإلهي.
فالقرآن يقول: إنّ من وراء هذا الكلام عقوبة ثقيلة ولكن لا ظُلم فيها.
ولكن يبدو أنّ التفسير الأول أقرب إلى المعنى.
أمّا مادّة (فتْل) على وزن (قتل) فهي تعني البرم، لذا فإنّ (فتيل) يعني الحبل المبروم، وتُطلق عادةً على ذلك (الخيط) الرقيق الموجود في شق نواة التمر، وهو كناية عن الشيء القليل جدّاً.
ويُلاحظ في الآية السابعة نفس هذا المعنى بتعبيرٍ جديد، فإن كانت الآيات الاخرى قد نفت ظلم اللَّه لعباده، فهذه الآية نفت ظلمه للعالمين جميعاً، فليس فقط لا يظلم، بل حتى لا تتعلق إرادته بالظلم، قال سبحانه: «وَمَا اللَّهُ يُرِيدُ ظُلماً لِّلعَالَمِينَ».