نفحات القرآن - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٣١٣ - إنّ اللَّه لا يظلم أحداً
وأشارت الآية الثالثة إلى العذاب الدنيوي الذي أصابَ ستةً من الأقوام السالفة بسبب طغيانهم وظُلمهم وعنادهم [١]، قال تعالى: «فَمَا كَانَ اللَّهُ لِيَظلِمَهُمْ وَلَكِن كَانُوا انفُسَهُمْ يَظلِمُونَ».
لقد منَّ اللَّه عليهم بالعقل والفهم والمعرفة، وأرسل إليهم الأنبياء والكتب السماويّة الواحد تلوَ الآخر، وحذّرهم مِراراً، فعندما لم ينفع معهم أي واحدٍ من هذه الأمور، أنزل عليهم العذاب وأهلكهم، فمنهم من أغرقه بالماء، ومنهم بالريح العاصفة، ومنهم بالزلزلة، ومنهم من أخذته الصيحة.
وهذا الكلام تحذيرٌ ضمنيٌّ للأقوام الحاليّة، والطغاة، والمتمردين العصاة، ليكونوا على وجل لئلّا يحطّموا أنفسهم بأيديهم ويُحرقوا حاصل حياتهم بنار أعمالهم.
وجملة: «فَمَا كَانَ اللَّهُ لِيَظْلِمَهُمْ»، التي اجتمع فيها الفعل الماضي (كان) والمضارع (ليظلمهم)، تشير إلى نفي ظلم اللَّه لأيأحدٍ وفي أيٍّ من الأزمنة الماضية، واستمرار هذه الصفة والسُّنة الإلهيّة وثباتها وعدم كونها أمراً مقطعيّاً مؤقتاً وعابراً.
أمّا الآية الرابعة فقد أشارت إلى الجزاء الأخرويّ وأحوال يوم القيامة، حيث قال تعالى:
«فَاليَومَ لَاتُظلَمُ نَفسٌ شَيئاً وَلَا تُجزَونَ إِلَّا مَا كُنتُم تَعمَلُونَ».
مع أنّ فعل (تُظلَمُ) في هذه الآية قد ذُكِرَ بصيغة المجهول، لكنّه من الواضح أنّ الحاكم الوحيد في محكمة القيامة هو اللَّه سبحانه وتعالى، إذن يُعتبر نفي الظُّلم في هذه الآية نفياً للظلم عن ساحة قُدسه تعالى، وعليه فإنّه لا يرتضي الظُّلم لأحد لا في الدنيا ولا في الآخرة، إنّها أعمال الناس التي سوف تتجسّم أمامهم هناك وترافقهم، فإن كانت صالحة منحتهم اللّذة والنشاط والبهجة، وإن كانت طالحة صارت سبب عذابهم وأذاهم، لذا قال سبحانه: «وَلَا تُجزَونَ إِلَّا مَا كُنتُم تَعمَلُونَ».
[١] قوم نوحٍ وعادٍ وثمودَ وقوم ابراهيم وقوم شعيب وقوم لوط.