نفحات القرآن - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٣١٢ - إنّ اللَّه لا يظلم أحداً
المخلوقة من أجله لفقدت قدراتها، لذا فلو لم ينتبه أحدٌ إلى مثل هذه الحالة لكان قد ظلم نفسه بنفسه، لا مظلوماً من قبل اللَّه تعالى.
وقد أيدّ الكثير من المفسّرين هذا التفسير، ولكن العجب من ترك البعض الآخر منهم (كالفخر الرازي) هذا المطلب الواضح وانصياعهم لعصبيّتهم المذهبية في مسألة العدالة، فقالوا: (لأنّ كل ما في الوجود ملكٌ له، فكل ما يعمله ليس بظلمٍ).
في حين أنّ الآية تشير بدقّة إلى خلاف هذا المطلب، فظاهر الآية يُفهم منه انتفاء تصوُّر الظلم بشأنه جلّ وعلا، بل إنّه لن يظلم أحداً في نفس الوقت الذي يقدر فيه على ذلك.
ومن قبيل هذا التعبير كثير، فلو قيل: إِنّ الطبيب الفلاني، لم يُعالج المريض الفلاني فإنّه يعني، أَنّه كان قادراً على علاجه، لكنّه لم يفعل، فلا يُقال أبداً: إِنّ الأُميّ الفلاني لم يُعالج فلاناً من الناس.
أمّا الآية الثانية فقد أشارت إلى هذا المعنى بتعبيرٍ آخر، حيث قالت: «وَلَا يَظْلِمُ رَبِّكَ أَحَداً» ويُمكن أن يكون ذكر تعبير (رب) إشارة إلى رعايته تعالى للإنسان بالتربية والتكامل، لا الظلم والجور الذي يؤدّي إلى النقصان والتخلُّف (الذي هو خلاف اصول الربوبيّة).
وقد ذكرت هذه الجملة بعد بيان حال المجرمين في القيامة، عندما يرون كُتبهم فيقولون:
«يَاوَيْلَتَنَا مَال هَذَا الكِتَابِ لَايُغَادِرُ صَغِيرَةً وَلَا كَبِيرَةً إِلَّا أَحْصَاهَا وَ وَجَدُوا مَا عَمِلُوا حَاضِراً». (الكهف/ ٤١)
لذا فإنّهم هم الذين ظلموا أنفسهم لا اللَّه سبحانه وتعالى، وتتضح مسألة انتفاء الظلم عن اللَّه سبحانه وتعالى نهائياً من خلال تصريحِهِ تعالى في القرآن بتجسُّم أعمالهم هناك (أي يوم القيامة).