آيات الولاية في القرآن - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٢٥٠ - لا تقبلوا أمراً بدون دليل
«قُلْ هاتُوا بُرْهانَكُمْ» [١].
المخاطَب في هذه الآيات تارةً هم اليهود و النصارى حيث يأمر اللَّه تعالى نبيّه الكريم بأن يقول لهم أن يأتوا بدليل و برهان على صدق مدّعياتهم (من قبيل أنه لا يرد أحد غيرهم الجنّة).
و تارةً اخرى يكون المخاطب هم المشركون الذين يدّعون ادعاءات زائفة في شأن الأصنام، فهؤلاء يجب عليهم أن يقدّموا الدليل العقلي على دعواهم و إلّا فلا يقبل منهم ما يقولون.
بل إنّ أحد الآيات هذه تشير إلى يوم القيامة أيضاً، فهناك لو أن أحداً ادعى شيئاً يجب أن يكون ادعاؤه مقروناً بالدليل و البرهان.
و على هذا الأساس يستفاد من الآيات أعلاه أنه لا بدّ لكلّ قوم و أتباع كلّ مذهب أن يأتوا بالدليل على أفكارهم و عقائدهم [٢]، و هذه الثقافة القرآنية الراقية إذا تمّ تجسيدها على مستوى الممارسة و العمل فإنّ من شأنها أن تقف حائلًا أمام الخرافات و الأفكار الزائفة
[١] جاءت هذه الجملة في الآيات ١١١ من سورة البقرة، و ٢٤ من سورة الأنبياء، و ٦٤ من سورة النمل، و ٧٥ من سورة القصص.
[٢] سؤال: كيف يرجع الناس إلى العلماء و المراجع في مسائلهم الدينية من دون المطالبة بالدليل بل يجب عليهم اتّباعهم في الفتوى حتّى لو لم يقيموا لهم دليلًا على فتواهم؟
الجواب: إن الدليل يكون على نحوين: (أ) الدليل التفصيلي، (ب) الدليل الإجمالي، و بالنسبة إلى اصول الدين و الاعتقادات فلا بدّ من الدليل التفصيلي بما يناسب حال المسلم و وضعه العلمي، و عليه أن يعتقد بالاصول من قبيل التوحيد و النبوّة و الإمامة و المعاد عن دليل و برهان، و لكن في فروع الدين لا حاجة إلى الدليل التفصيلي بل لا يمكنه ذلك لأنه يستغرق من كلّ شخص عشرات السنين من البحث و الدرس في الحوزات العلمية و ترك الأعمال الاخرى ممّا يستلزم انهدام النظم في المجتمع، و عليه فكما أن المريض يجب أن يراجع الطبيب الملتزم و المتخصص ليصف له الدواء من دون حاجة إلى الدليل، فكذلك في المسائل الدينية على المكلّف مراجعة الفقيه الذي قضى عمره في البحث و الدرس و التحصيل في الحوزات العلمية و له تجربة كافية في استنباط الأحكام الشرعية، و يتّصف بالعدالة و الأمانة و لا يحتاج حينئذٍ إلى دليل لاثبات صحة الفتوى لكلّ حكم من الأحكام الشرعية، و النتيجة أن الناس في تقليدهم للفقهاء لا يرجعون إليهم بدون دليل، بل يوجد دليل اجمالي و هو لزوم رجوع الجاهل إلى العالم.