آيات الولاية في القرآن - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ١٠٨ - تفسير آية الصادقين بضميمة الآيات الاخرى
فبهت الأعداء من هذا الجواب القاطع لهذا الشاب الشجاع و قالوا فيما بينهم: إنّ هذا شاب ساذج و قد خدعه محمّد صلى الله عليه و آله.
فلمّا سمع الإمام علي عليه السلام ذلك منهم و أنهم يتحدّثون عن حبيبه بلغة الإهانة قال لهم كلاماً جميلًا جداً و عميق المغزى:
إنّ اللَّهُ قَدْ أَعْطانِي مِنَ الْعَقْلِ ما لَوْ قُسِّمَ عَلى جَمِيع حُمَقاءِ الدُّنيا وَ مَجانِينها لصارُوا بِهِ عُقَلاء وَ مِنَ القُوَّةِ ما لَوْ قُسِّمَ عَلى جَمِيعِ ضُعَفاءِ الدُّنْيا لَصارُوا بِهِ أَقْوياءَ، وَ مِنَ الشُّجاعَةِ ما لَوْ قُسِّمَ عَلى جَميعِ جُبَناءِ الدُّنْيا لَصارُوا بِهِ شَجْعاناً. [١]
عند ما سمع الأعداء هذا الجواب تملكهم اليأس و أطرقوا برءوسهم خارجين من المنزل.
فلو كان لدى الإمام علي عليه السلام ذرة من الشك و التردد بالنسبة إلى إيمانه باللَّه و الرسول فهل يعقل أن يخاطر بحياته مثل هذه المخاطرة؟
٢- في واقعة احد تمكن الأعداء من تحقيق نصر عسكري على المسلمين بسبب غفلة المسلمين و طمعهم في حطام الدنيا و مضافاً إلى ذلك فقد استفاد الأعداء من هذه الغفلة و تحركوا من موقع الحرب النفسية ضد المسلمين حيث صاح أميرهم لما رأى النبي صلى الله عليه و آله جريحاً في ميدان القتال «لقد قُتل محمّد!» و لما سمع المسلمون هذا النداء هرب الكثير منهم من ميدان القتال كما تقول الرواية، و لكنّ الإمام علي عليه السلام الذي كان مؤمناً بانتصار الإسلام و بوعد اللَّه تعالى و لم يتردد لحظة في هذه العقيدة الراسخة لم يلتفت إلى هذا النداء و بقي مستمراً في قتال الأعداء حتّى أصاب جسده الشريف جراح كثيرة و لكنه استمر في القتال و الدفاع عن رسول اللَّه صلى الله عليه و آله بحيث أدّت شجاعته و إيمانه و سعيه البالغ في دفع الخطر عن النبي صلى الله عليه و آله إلى إجهاض كيد العدو و أدرك المسلمون أن النبي صلى الله عليه و آله لم يقتل لحد الآن، و لذلك عاد الكثير منهم إلى ميدان القتال، و على أيّة حال انتهت الحرب بكلِّ ما تضمنته من صعوبات و تحديات و اندحر الأعداء و هم مصابون باليأس من الغلبة على الإسلام و توجهوا إلى مكّة، و هكذا اصيب الإمام علي عليه السلام في هذه المعركة بما يقارب من ٩٠ جرحاً فأرسل له النبيّ صلى الله عليه و آله طبيبين ليعالجاه و يضمدا جراحه و لكنهم سرعان ما عادوا إلى
[١] بحار الأنوار: ج ١٩، ص ٨٣.