آيات الولاية في القرآن - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ١٧٩ - ٢- التعارض بين الوجوب و الاستحباب
«قُلِ الْعَفْوَ» أي ما زاد على الضروري و اللازم في حياة الإنسان.
فإذا كانت آيات سورة الدهر نزلت في حقّ عليّ و أهل بيته عليهم السلام إذن فلما ذا تبرع الإمام بالطعام الذي يحتاجونه إلى السائل؟
الجواب: إنّ هذا الكلام يثير العجب واقعاً و خاصّةً فيما لو صدر من شخص يدّعي المعرفة و العلم، لأنّ مثل هذه المعاذير و الحجج تشير إلى معالم الجهل و عدم الاطلاع، و توضيح ذلك أن «الإنفاق» شيء و «الإيثار» شيء آخر، و مع الأسف أن من يطرح هذا الإشكال لا يدرك التفاوت بين الإنفاق و الإيثار.
و نقرأ في الآية التاسعة من سورة الحشر في وصف الأنصار:
«وَ يُؤْثِرُونَ عَلى أَنْفُسِهِمْ وَ لَوْ كانَ بِهِمْ خَصاصَةٌ».
إنّ بعض الأشخاص قد يصلون في مرتبة الكمال المعنوي إلى درجة و مقام «الإيثار»، فعلى رغم حاجتهم الشديدة ينفقون ما يحتاجونه على الآخرين.
و قد ورد في شأن نزول هذه الآية: «أن شخصاً أتى رسول اللَّه صلى الله عليه و آله فشكى إليه الجوع، فبعث رسول اللَّه صلى الله عليه و آله إلى منزله، فقالت له زوجته: ما عندنا إلّا الماء، فقال رسول اللَّه: من لهذا الرجل الليلة؟ فتعهده رجل من الأنصار و صحبه إلى بيته و لم يكن لديه إلّا القليل من الطعام لأطفاله، و طلب أن يؤتى بالطعام إلى ضيفه و أطفأ السراج، ثمّ قال لزوجته: نوّمي الصبية، ثمّ جلس الرجل و زوجته على سماط الطعام فتظاهروا بالأكل و لم يضعوا شيئاً في أفواههم، و ظنّ الضيف أنهم يأكلون معه، فأكل حتّى شبع و ناموا الليلة، فلما أصبحوا قدموا على رسول اللَّه صلى الله عليه و آله فنظر إليهم و تبسّم (دون أن يتكلم)، فنزلت الآية أعلاه و أثنت على إيثارهم» [١].
و على هذا الأساس فإن من يطرح مثل هذه الشبهة فإنه لم يقرأ جميع آيات القرآن الكريم، و إلّا فلا ينبغي الشكّ بأن مقام الإيثار أعلى مرتبة من مقام الإنفاق بحيث لا يناله إلّا من اوتي حظاً عظيماً من الإيمان و الخلوص، و لذلك يعد الإيثار من الصفات الخاصّة بالمؤمنين الحقيقيين.
[١] التفسير الامثل: ذيل الآية مورد البحث.