آيات الولاية في القرآن - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٥٨ - الطريق الثاني تفسير الآية بلحاظ الروايات الشريفة
الآية الشريفة و قد استدلّ بها الإمام عليّ كراراً.
و أما مضمون الروايات أعلاه فهو أنه: كان الإمام علي عليه السلام يوماً يصلي في مسجد النبي، فدخل سائل إلى المسجد و طلب حاجته من المسلمين فلم يعطه أحد شيئاً [١]، و كان الإمام في حال الركوع فأشار للسائل إلى خاتمه فجاء و انتزع الخاتم من إصبع الإمام و خرج من المسجد، فنزلت حينئذٍ الآية الشريفة.
و هذا المضمون للروايات الشريفة ورد في أكثر من أربعين رواية من الروايات التي وردت في شأن نزول الآية محل البحث، و نحن نقتصر هنا على استعراض ثلاث روايات منها، و هي ما أورده الفخر الرازي في تفسيره:
١- رَوى عَطاء عن ابْنِ عَبّاس أَنها نَزَلَتْ فِي عَلِيٍّ بْنِ أَبي طالِب [٢].
٢- روي أن عبد اللّه بن سلام قال: لَمّا نَزَلَتْ هذِهِ الآيَةُ، قُلْتُ: يا رَسُولَ اللَّهِ أَنَا رَأَيْتُ عَلِيّاً تَصَدَّقَ بِخاتَمِهِ عَلى مُحْتاجٍ وَ هُوَ راكِعٌ فَنَحْنُ نَتَوَلّاهُ [٣].
٣- و هي الرواية الأهم من بين الروايات في هذا الباب و هي نقلًا عن أبي ذرّ الغفاري و هذه الرواية أوردها الفخر الرازي عن أبي ذرّ أنه قال:
قالَ: صَلَّيْتُ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه و آله يَوْماً صَلاةَ الظُّهْرِ، فَسَأَلَ سائِلٌ فِي الْمَسْجِدِ فَلَمْ يُعْطِهِ أَحَدٌ فَرَفَعَ السّائِلُ يَدَهُ إلَى السَّماءِ وَ قَالَ: «اللّهُمَّ اشْهَدْ انِّي سَأَلْتُ فِي مَسْجِدِ الرَّسُولِ فَما أَعْطانِي أَحَدٌ شَيْئاً!» وَ عَلِيٌّ كَانَ راكِعاً، فَأَوْمَأ إلَيْهِ بِخِنْصِرِهِ الْيُمْنى وَ كَانَ فِيها خَاتَمٌ فَأَقْبَلَ السّائِلُ حَتّى أَخَذَ الْخاتَمَ بِمَرْأى النَّبِيُّ صلى الله عليه و آله فَقالَ صلى الله عليه و آله: اللَّهُمَّ انَّ أَخِي مُوسى سأَلَكَ فَقالَ: «رَبِّ اشْرَحْ لِي صَدْرِي* وَ يَسِّرْ لِي أَمْرِي* وَ احْلُلْ عُقْدَةً مِنْ لِسانِي* يَفْقَهُوا قَوْلِي* وَ اجْعَلْ لِي وَزِيراً مِنْ أَهْلِي* هارُونَ أَخِي* اشْدُدْ بِهِ أَزْرِي* وَ أَشْرِكْهُ فِي أَمْرِي» [٤] فَأَنْزَلْتَ قُرْآناً ناطِقاً: «سَنَشُدُّ عَضُدَكَ بِأَخِيكَ وَ نَجْعَلُ لَكُما سُلْطاناً» [٥] اللّهُمَّ وَ أَنَا مُحَمَّدٌ
[١] حيث كان الوضع المادي و الاقتصادي للمسلمين في ذلك الوقت عسيراً و كانوا يعيشون في ضائقة شديدة حتّى في ضروريات الحياة.
[٢] التفسير الكبير: ج ١٢، ص ٢٦.
[٣] التفسير الكبير: ج ١٢، ص ٢٦.
[٤] سورة طه: الآيات ٢٥- ٣٢آيات الولاية في القرآن ؛ ص٥٩
إن رواية أبي ذرّ تشير إلى أنّ صدقة الإمام علي عليه السلام في حال الصلاة لم تكن صدقة عاديّة لمسكين من الناس بل أدّت إلى حفظ وجاهة و قدسيّة مسجد النبيّ الذي يعد مركز الإسلام و الصحابة و المسلمين لأنّ المسكين عند ما خرج من مسجد النبي لم يجد من يمدّ له يد العون، و لهذا اشتكى إلى اللَّه من ذلك، فعليه فإنّ صدقة الإمام في حالة الركوع مضافاً إلى أنها رفعت حاجة السائل فإنّها أدّت إلى حفظ اعتبار مسجد النبي صلى الله عليه و آله و قداسته و حرمة أصحاب النبي الأكرم صلى الله عليه و آله أيضاً.
٢- إنّ ادعاء الفخر الرازي المبني على أنّ مجموع الروايات الواردة في هذا الباب ليس بأكثر من ثلاث روايات هو كلام بلا أساس لأنّه كما تقدّم آنفاً أن الوارد من الروايات في هذا الباب أكثر من أربعين رواية، و الملفت للنظر أنّ أكثر هذه الروايات وردت في كتب و مصادر أهل السنّة و لكنّ التعصّب و العناد إذا أخذ بناصية الإنسان أدّى إلى أن ينطق بكلمات غير مسئولة و غير متوقعة رغم كونه علّامة كبير مثل الفخر الرازي، مضافاً إلى أنه يمكننا أن ندّعي أنّه إذا قد وصلت لنا أكثر من أربعين رواية في شأن نزول الآية محل البحث فإنّ هناك عدد أكثر من هذا قد اختفى في طيّات التاريخ و لم يصل إلينا و خاصّة في فترة الحكم الاموي الذي كان بنو أُمية يتحركون بصراحة و شدّة في حذف فضائل و مناقب أهل البيت عليهم السلام و طمس معالمها فلم يتجرأ أحد على بيان هذه الفضائل و نشرها.
و كم من الأشخاص الذين لم يكونوا يمتلكون الجرأة على بيان فضائل و مناقب
[١] التفسير الكبير: ج ١٢، ص ٢٦.