آيات الولاية في القرآن - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٢٩٢ - التوغّل و النفوذ في القلوب أهم رأس مال القادة
يعدّ أمراً ضرورياً جدّاً في عملية الإصلاح الاجتماعي أو نجاح الحكومة، و من أجل تحصيل هذه الغاية فلا بدّ من النفوذ إلى قلوب الناس و جذب مودّتهم و كسب حبّهم، و عند ما نرى أن النبي الأكرم صلى الله عليه و آله قد نجح في مدّة قصيرة أن ينشر دعوته السماوية إلى شرق العالم و غربه و يوحّد قلوب المسلمين و يزيل عنهم الأحقاد و التعصّبات القديمة و يشكّل جيشاً موحّداً و قويّاً استطاع بواسطته أن يوصل دعوته الإلهية إلى شتّى بقاع المعمورة فإنّ ذلك كان بسبب أخلاقه السامية و نفوذه العجيب في قلوب الناس من المسلمين و غير المسلمين كما يحدّثنا القرآن الكريم عن هذه الحقيقة و يقول:
«فَبِما رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ وَ لَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ». [١]
و هكذا بالنسبة إلى النبي إبراهيم عليه السلام عند ما هاجر بأمر من اللَّه تعالى إلى مكّة و أسكن زوجته و طفله الرضيع في أرض قاحلة لا ماء فيها و لا غذاء و من دون زاد و متاع إلى جانب بيت اللَّه الحرام، رفع يديه للدعاء و قال:
«رَبَّنا إِنِّي أَسْكَنْتُ مِنْ ذُرِّيَّتِي بِوادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ عِنْدَ بَيْتِكَ الْمُحَرَّمِ رَبَّنا لِيُقِيمُوا الصَّلاةَ فَاجْعَلْ أَفْئِدَةً مِنَ النَّاسِ تَهْوِي إِلَيْهِمْ وَ ارْزُقْهُمْ مِنَ الثَّمَراتِ لَعَلَّهُمْ يَشْكُرُونَ». [٢]
فكان إبراهيم عليه السلام يعلم أن النفوذ إلى القلوب هو أعظم رأس مال للإنسان و لهذا طلب من اللَّه تعالى أن يجعل محبّة أهل بيته في قلوب الناس.
الإمام الخميني رحمه الله بدوره لم يكن لديه منذ بداية الثورة و لآخر يوم من أيامها سلاحاً مهمّاً من الأسلحة المتعارفة ليواجه بها أعوان الشاه و جيشه المسلّح، و لكنه كان يمتلك سلاحاً أقوى فاعليّة و أمضى قوّة من جميع الأسلحة المتطورة لطاغوت زمانه، و هو المحبّة في قلوب الناس و تعاطف الجماهير مع دعوته الإلهية، و الخلاصة أن عنصر النفوذ في القلب يعدّ أهم رأس مال للقادة و المصلحين في سائر المجتمعات البشرية.
[١] سورة آل عمران: الآية ١٥٩.
[٢] سورة إبراهيم: الآية ٣٧.