إعلام الورى بأعلام الهدى ط- الحديثة - الشيخ الطبرسي - الصفحة ١٤٨
و كان الموفّق إذا دخل على أبي يقدمه حجّابه و خاصّة قوّاده، فقاموا بين مجلس أبي و بين باب الدار سماطين إلى أن يدخل و يخرج، فلم يزل أبي مقبلا على أبي محمد حتّى نظر إلى غلمان الخاصّة فقال حينئذ: إذا شئت جعلت فداك، ثمّ قال لحجّابه: خذوا به خلف السماطين لا يراه هذا- يعني الموفّق- فقام و قام أبي و عانقه و مضى، فلم أزل يومي ذلك متفكّرا في أمره و أمر أبي، و ما رأيته منه حتّى كان الليل، فلمّا صلّى العتمة و جلس جلست بين يديه و ليس عنده أحد، فقال: يا أحمد أ لك حاجة؟
قلت: نعم يا أبه، من الرجل الذي رأيتك بالغداة فعلت به ما فعلت من الإجلال و التبجيل و فديته بنفسك و أبويك؟
فقال: يا بنيّ ذاك إمام الرافضة الحسن بن عليّ المعروف بابن الرضا، ثمّ سكت ساعة و أنا ساكت، ثمّ قال: يا بنيّ، لو زالت الإمامة عن خلفاء بني العبّاس ما استحقّها أحد من بني هاشم غيره لفضله و عفافه، و هديه و صيانته، و زهده و عبادته، و جميل أخلاقه و صلاحه، و لو رأيت أباه رأيت رجلا جزيلا نبيلا فاضلا.
فازددت قلقا و تفكّرا و غيظا على أبي، و لم تكن لي همّة بعد ذلك إلّا السؤال عن خبره، فما سألت أحدا من بني هاشم و القوّاد و الكتّاب و القضاة و الفقهاء و سائر الناس إلّا وجدته عنده في غاية الإجلال و الإعظام و المحلّ الرفيع و التقديم له على جميع أهل بيته، فعظم قدره عندي، إذ لم أجد له وليّا و لا عدوّا إلّا و هو يحسن القول فيه و الثناء عليه.
فقال له بعض الحاضرين: فما خبر أخيه جعفر؟
فقال: و من جعفر فيسأل عن خبره، أو يقرن الحسن بجعفر! [إنّ جعفرا] معلن الفسق، فاجر شرّيب للخمور، أقلّ من رأيته من الرجال و أهتكهم لنفسه.