رحلة إلى شبه الجزيرة العربية وإلى بلاد أخرى مجاورة لها - كارستن نيبور - الصفحة ٢٩٤ - الرحلة من الموصل إلى ماردين
انهار صغيرة اخرى أشرت اليها على الخارطة، ثم تصب بدورها في الخابور(Khabur) الذي يعود و يصب في الفرات (*). و تتميز المنطقة المحيطة بنصيبين بكثرة المستنقعات، و تكثر فيها زراعة الارز. و أهم ما يلفت الانظار هنا هو جسر على النهر الذي جئت على ذكره آنفا، و قسم من كنيسة بنيت تكريما للقديس يعقوب، مطران نصيبين، و المشهور هنا بتصديه لعقيدة اريوس(Arius) في مجمع القسطنطينية. و يقوم الجسر على اثنتي عشرة قنطرة، و لا يزال في حالة جيدة، إنما لم يبق من البرج الواقع امام المدينة من هذه الجهة و الذي يستعمل لمراقبة الطريق إلا الحائط الرئيس. بنيت كنيسة القديس يعقوب من حجارة مصقولة، لكنها انهارت حاليا، و نجد قربها صرحا صغيرا، حاول احد الحكام المسلمين استخدامه كمخزن للقمح لكن القديس يعقوب ظهر له في الحلم و سأله لماذا يدّنس معبده، مما دفع المسلمين (بحسب ما يروي المسيحيون) إلى اخلاء المبنى، و بناء منبر فيه. و يستخدم اليعقوبيون حاليا هذه الكنيسة الكبيرة نوعا ما، لكن الرعية صغيرة فلم يعين لها كاهن دائم انما يستقدم واحد من ماردين عند وفاة احد المسيحيين أو عند عمادة احد الاطفال، و يقيم الارمن الذين يتبعون روما قدّاسهم في الكنيسة الكبيرة. و نرى على مقربة من هذا المكان خمسة عواميد منتصبة، لكنها سيئة الصنع. اما بالنسبة للكتابات، فلم أر أيّ منها في نصيبين، لكن أكدوا لي ان هناك قبر يحمل كتابات اوروبية (لعلها لاتينية) (**).
و قادني الرجل الذي رافقني إلى كنيسة القديس يعقوب إلى قبر هذا الاخير اولا، فوجدت تابوتا حجريا يعلوه غطاء ثقيل، و رأيت في جانب القبر ثقبا كبيرا يمكن تمرير اليد منه. و حاولت معرفة ما اذا كان جسد القديس موجودا، لكن مرافقي الذي بدا قلقا من حشريتي أكّد لي أنه دفن تحت التابوت كي لا يسيء اليه المشركون. و علمت لاحقا ان الكهنة الروم أرسلوا منذ زمن جسد هذا القديس و غيره من القديسين الشرقيين إلى اوروبا، و قال لي مرافقي، إن هذا الثقب في التابوت يسمح للمسيحيين المؤمنين بأخذ حفنة تراب منه، و إنّ هذه الحفنة اذا ما خلطت بالماء تشفي من الحمى.
و نصادف على ربع فرسخ من نصيبين بناء مهدما، يزوره اليهود باستمرار، و يؤكد سكان المنطقة ان قديسا اسمه أمّا(Amma) دفن فيه، لكن حاخاما من براغ، كان في قافلتنا، أطلق عليه اسم يهوذا بن بتاره(Juda Ben Patara) و قال ان التلمود اتى على ذكره، و يعتقد أن الحاخامات القدامى اعتادوا ان يسمّوا نصيبين منزيفن(Menziven) .
(*) يقال ان هناك بين نصيبين و دارا، على بعد ثمانية فراسخ من ماردين، شاهدة قبر اوروبي،.
(**) و أكد لي البعض اننا نجد كتابات اوروبية اخرى في المنطقة الجبلية قرب ماردين. و قد حاولوا مرارا مرافقتي لرؤية كتابات اوروبية، فوجدتها شرقية قديمة. و اذا ما وجدنا هنا كتابات لا يمكن ان يقرأها المسلمون او المسيحيون الشرقيون فهي تستحق ان تنسخ.