رحلة إلى شبه الجزيرة العربية وإلى بلاد أخرى مجاورة لها - كارستن نيبور - الصفحة ٣٣٣ - ملاحظات حول سوريا و سكان جبل لبنان
ارسل لها بعض الفاكهة من حديقة منزله، قالت له انها لا تستطيع قبول هدية مماثلة من قاض أو باشا، و لكنها تستطيع تناول الطعام في منزله، علما انه كسب ثروته بعرق جبينه.
و من صفات الدروز العلمانيين اذكر لكم، حسن الضيافة، الطموح، البسالة التي قد تتحول إلى تهور، و احيانا البخل. يتعلم الشيوخ الشبان القراءة و الكتابة، دون ان يجتهدوا للاطلاع على اصول ديانتهم، فهم يعتبرون ذلك غير ضروري خاصة و ان رجال الدين قد اخذوا على عاتقهم مسؤولية الصلاة و الصوم عن نية العلمانيين كافة. فمنذ صغرهم، يتمرن الشيوخ الشبان على ركوب الخيل، و على المبارزة بالسيف، و على حمل الحراب، و استعمال الاسلحة النارية. و ان شوهد احد الشيوخ و الدموع في عينيه، سخر منه الجميع، علما انهم يتميزون برباطة جأشهم، و لا مبالاتهم في مواجهة الموت، فهم على استعداد للقتل ان وجه لهم احدهم كلمة قد تمس شرفهم. و يسود عندهم قانون الاقوى، حتى ان مسيحيي جبل لبنان يراعون هذا القانون، و تقليد الثأر الموروث. و يسعى بالتالي مطارنتهم لمصالحة الفريقين المتخاصمين حتى لا يبسط شيوخ عقل الدروز نفوذهم على مناطق اخرى، و ان اقدم درزي على قتل مسيحي أو مسلم لا يحاكمه القاضي التركي فحسب، بل يعطي الامير الامر بنهب منزله ان امتنع عن دفع الجزية المفروضة عليه، و الجدير ذكره ان الامير قلما يفرض عقوبة الاعدام على القاتل. و تنشب بعدها خلافات حادة بين عائلة القتيل و عائلة القاتل، خاصة في الليل، دون الاخذ بعين الاعتبار عدد القتلى الذي قد يتكبده الفريقان. يتبع شيوخ الدروز قانون الاقوى، لأنهم يعتبرون انفسهم في منزلة الامير، الذي لا يحق له قتلهم أو تكليف سواهم بولاية القرى، و ان شب خلاف بين شيخين رفيعي المستوى، ارسلوا الفلاحين إلى قرية خصمهم لقتل السكان و قطع اشجار الخوخ و الزيتون، علما ان الامير نادرا ما يعاقبهم على هذه الاعمال العنيفة. في بعض الاحيان، يفرض على المهاجم مبلغا كبيرا من المال، و يجبره على قطع الاشجار و حرقها. و ان صادف في عائلة احد الاشخاص، قاتل أو قتيل، تعذر عليه العمل مطمئن البال في الريف، أو النوم بأمان في منزله، قد يقرر البعض التصالح مع اخصامهم غير ان العائلات المنعزلة، تعيش في حالة حرب مستمرة. و قد اكد لي سكان المنطقة ان حوالي ٣٠ شخصا، من الحكومة الدرزية في جبل لبنان، يفقدون حياتهم بسبب اعمال العنف هذه.
لما كان الدروز يتقاتلون عند سماع عبارة فظة، يعتمد عامة الشعب الحذر في تعاملهم، فلا يتحدثون بالسوء عن خصمهم في غيابه، بل يثنون عليه و كأنه صديقهم الحميم. و ان ظن احد القتلة، انه ضعيف للغاية و لا يستطيع الوقوف في وجه عائلة القتيل، قصد منزل اهله عاقدا حول عنقه حبلا أو محرمة مؤكدا لهم ان القتيل مس شرفه بكلامه الجارح، فاضطر لقتله، و يعطي بعدها الحرية لأهل القتيل بالقضاء عليه. فيرغم حينئذ الاهل على مسامحته. و لكن الامر لا ينتهي عند هذا الحد، اذ يستدعي المهان الحقل، ليحلق ذقن المهين. لسنوات خلت، اشتكت احدى الارامل