رحلة إلى شبه الجزيرة العربية وإلى بلاد أخرى مجاورة لها - كارستن نيبور - الصفحة ٢٢١ - الرحلة من البصرة إلى لملوم و مشهد علي، و مشهد الحسين، و الحلة، و بغداد
مقدسا، فيقصده اناس من بلاد فارس ليغرقوا فيه حبا بالحسين، ظنا منهم أنهم سيعتبرون شهداء.
و نرى في الحديقة صرحا مهدّما من المكان الذي ضربت فيه خيمة الحسين، كما نرى بالقرب منه صرحا آخر منخفضا فيه قبر قاسم العريس و غيره من الشهداء. و سعدت مضيفتي، و هي أرملة عجوز و شيعية متحمسة، حين علمت اني زرت قبر القاسم. إذ انه وليّها المفضل، و روت لي و قد اغرورقت عيناها بالدمع، أن هذا الفتى الشجاع كان قد عقد قرانه اي ان عقد زواجه قدّ تمّ أمام القاضي بحضور شهود، لكن ليلة زواجه الفعلي، قتل مع الحسين و غيره من الشهداء. و تحفظ هذه العجوز حرفيا ما قاله الزوجان لبعضهما قبل بدء المعركة.
و يأتي بعض السنة إلى مسجد الحسين لأداء صلاتهم بجديتهم المعهودة، في حين ان الشيعة يطلقون صرخات يرثى لها. و كنت في المدينة عند اكتمال القمر في شهر رجب، حين يتوافد الحجاج لتمضية الليلة قرب قبر الحسين، و بما أنهم لا يملكون تقويما مطبوعا، و بالتالي لا يتأكدون تمام من أيام اعيادهم، يمضي العديد منهم ليلتين في المسجد بغية عدم تفويت اللحظة الحقيقية.
و تفاجأت حين رأيت هؤلاء الناس المتطيرين يقبّلون باب الفناء بخضوع فضلا عن باب المسجد، و يقال انهم يكتفون بتقبيل البلاط داخل المسجد، بل إن بعضهم يضرب رأسه بالجدار و القضبان الحديدية تألما على مقتل الحسين. كما يروى أن بعضهم بلغ تأثره الذروّة فأقدم على قتل نفسه قرب قبر امامهم الكبير ظنا منهم أنهم سيعتبرون شهداء و أنهم سيدخلون الجنة لأنهم ضحّوا بأنفسهم حبا بالحسين. و أعترف اني لم أسمع شيئا بكآبة ما يقوم به الشيعة في مسجدهم، إذ يصرخون و يبكون و يتأثرون كما لو كان الحسين أباهم أو أنه توفي لتوه، و لم يكن هذا بدور يلعبونه أو حزن يدّعونه كما تفعل الباكيات في المآتم اللواتي يبكين مقابل بعض المال، بل تشعر أن الحزن حقيقي و صادق، فتراهم محمريّ العيون عند خروجهم من المسجد، و أظن بشكل عام أن الشيعة أكثر اخلاصا و تشددا في هذه المدينة منهم في مشهد علي، و لو أن الحكم لهم في هذه المدينة، لما رأيت سنيا واحدا فيها، و تمنحهم الحكومة التركية حرية اداء واجباتهم الدينية على طريقتهم في كافة الاماكن التي يعتبرونها مقدسة لأنها تجني فوائد عدة من ذلك. و لا يناقضهم السنة العقلاء حين يسمّون الحسين اماما و شهيدا، لكنهم لا يتجرأون هنا على لعن الخلفاء الثلاثة الاوائل، و هو أمر قاس بالنسبة لشيعي متطرف سيّما في هذين المكانين المقدسين.
و ينبغي أن ينتبه المسافرون عامة، و الشيعة خاصة من المجموعة من الانكشاريين المتشردين التي طردت من بغداد بسبب سوء تصرّفها، و التي تحاول التعرف على الفرس الاغنياء. يروي الانكشاريون للفرس اخبارا فظيعة عن الحكومة التركية و عن السنة بشكل عام، و ما إن يبادلهم الغريب اطراف الحديث حتى يتشاجرون معه، و يتهمونه بأنه اساء إلى الحكومة أو الدين، و يجدون