رحلة إلى شبه الجزيرة العربية وإلى بلاد أخرى مجاورة لها - كارستن نيبور - الصفحة ٢١٩ - الرحلة من البصرة إلى لملوم و مشهد علي، و مشهد الحسين، و الحلة، و بغداد
فعائلة عربية، بنت في المكان مسجدا جميلا صغيرا، تعلوه مئذنة. و لا تدفع هذه العائلة اية ضريبة للاتراك، حبا بالنبي و حسب، كما تكسب الكثير من المسافرين الذين يحلو لهم الاستراحة هنا.
و يحيط بقبر حزقيال، و بالمسجد و بمنازل العرب الحقيرة سور متين و عال، تبلغ مساحته ١٢٠٠ قدم، و يقال إنه بني على حساب يهودي من الكوفة يدعى سليمان، و يبدو أن اليهود يقومون بترميمه حاليا. و في موعد صبح اليهود، يؤم البلاد عرب يأتون لتهنئتهم أو على الاصح لمطالبتهم بالهدايا، و من الأفضل ان يتفقوا معهم بالحسنى، لكن اليهود جبناء و خجولون. و يخيفهم عدد قليل من المسلمين و إن كانوا هم أقوى منهم مما يجعل العرب و قحاء متغطرسين، فيكتفي اليهود بالبقاء محبوسين في قلعتهم الصغيرة أو حانهم كما يسمّونه. و لا يتجرأ اليهود على اطلاق النار على أعدائهم، و لو لمرة واحدة، حتى و إن حملوا أسلحة نارية، لأن الدم الإسلامي الذي سيريقونه سيدفعون ثمنه غاليا، و لن يتوانى العرب عن ترقب قافلتهم المقبلة و مهاجمتها و سلبها. لذا يجب ان يبقى الحجاج في حانهم حتى يخلّصهم حاكم الحلّة، أو باشا بغداد، إن كان عدد العرب كثير، و يكلفهم هذا اكثر مما يطلبه العرب. و بما ان هؤلاء الاخيرين يضطرون إلى الانسحاب خاليي الوفاض تقريبا، يشكل هذا تنبيها لهم بعدم التعرض مرة أخرى لليهود.
و نصادف بين كفيل و الحلّة العديد من الانهار الصغيرة الجافة خلال هذه الفترة من السنة، و لا نرى ما يثير الاهتمام على هذه الدرب سوى بعض منازل الفلاحين المتفرقة و عددا من القبب فوق قبور اولياء المسلمين.
في ٢٦ استرحت في الحلّة، و في اليوم الثاني توجّهت إلى مشهد الحسين المبني في المكان المشهور بين المسلمين و المعروف باسم كربلاء، و هي تقع على بعد حوالي سبعة فراسخ أو خمسة أميال إلى الشمال الغربي من الحلّة، و لا نصادف على طول هذه الطريق (اللوحةXLI ) إلّا الطهمازية(Tomasie) و هي قرية كبيرة بناها الشاه عباس و نجد فيها العديد من حدائق النخيل.
لم تكن منطقة كربلاء آهلة بالسكان حين قتل فيها الحسين و بعض اهله و اصحابه، لكن هذه المعركة اتاحت للمنطقة فرصة الاستفادة، فتمّ جرّ المياه اليها من الفرات و نرى فيها اليوم غاية من اشجار النخيل (*)، أما المدينة فأكبر من مشهد علي و أكثر سكانا، و قد بنيت المنازل فيها بطريقة متينة لكن معظمها من الآجر كما في البصرة و الحلّة. يتخلل سور المدينة خمسة أبواب، و هو مبني من الطين و الآجر المجفف في الهواء الطلق، إنما قد انهار بأكمله.
(*) يسمي محمد مهدي خان هذا المكان «مكان الجنائن»، تاريخ نادر خان، ص ٣٧٤، الترجمة الالمانية.