رحلة إلى شبه الجزيرة العربية وإلى بلاد أخرى مجاورة لها - كارستن نيبور - الصفحة ٥٢ - ملاحظات في بومباي و في سورات
السفر على متن سفن أمتهم إلى بومباي، و العيش في الهند بين مواطنيهم في أغلب الاحيان، و لن يضطروا إلى قطع مسافات بعيدة عن مستعمراتهم. و لن تكون هذه الرحلة بكلفة و صعوبة الرحلات إلى الشرق التي أمر بها فردريك الخامس و موّلها حتى نهايتها كريستيان السابع. و إن لم يقوموا بمبادرة كهذه، سيبقى الهنود بالنسبة لنا أمّة غريبة، علما ان الانكليز سيطروا لمئة عام على بومباي و لا تبعد هذه الاخيرة كثيرا عن جزيرة الفيل و عن سلفت. و يقوم كل اوروبي يزور بومباي تقريبا برحلة إلى المعابد الرائعة المجاورة، لكننا لا نجد حتى اليوم سوى تقارير غير مكتملة حول هذه الاصرحة الاثرية، لذا لا يمكن أن نتوقع المزيد، لأن المسافرين يهتمون بأمور أخرى لا تسمح لهم بصبّ اهتمامهم على هذه المعابد. و قد خضعت كل من سلفت و جزيرة الفيل، منذ قرون، لسيطرة البرتغاليين، حتى أنهم حوّلوا أحد المعابد في كناري إلى كنيسة، و بالتالي أتيحت لهم الفرصة لإعطائنا تفاصيل و رسوما حول هذه الآثار الغريبة، لكنهم غطّوا عوضا عن ذلك هذه التماثيل الرائعة المنحوتة في الصخر بالكلس ليطويها النسيان كليا.
و يقيم في الهند الكثير من الفرس الذين طردهم العرب المسلمون من موطنهم منذ ١١٠٠ عام، و اذا ما أراد شخص ما الاستعلام عن ديانة قدامى الفرس، يكفي أن يقرأ كتابهم الاساسي الذي نشر السيد انكاتيل ترجمته الفرنسية (*) منذ فترة وجيزة. و قام هذا الاخير برحلته إلى الهند للحصول على كتب شريعة الفرس و لتعلم اللغة القديمة التي كتبت فيها، و بالتالي قام بأبحاث واسعة حول ديانتهم و عاداتهم اكثر من تلك التي قمت بها شخصيا لانشغالي بأمور أخرى، لكني سأورد هنا ما عرفته حول هذا الموضوع من أحاديثهم و ما لاحظته.
يعبد الفرس، اتباع زرادشت، إلها واحدا قادرا و أبديا، خالق الكون و حافظه، لكن بما أن الانسان بحاجة لشيء ملموس يذكّره بالخالق، وجّه الفرس صلواتهم للشمس و القمر و النجوم و الى أمور أخرى أهمها النار على أنها أكثر العناصر طهارة و نقاء و فعالية، لذا يبقون النار مستعرة في معابدهم و يأججونها بأخشاب عطرية، كما يجعل التجار الاغنياء في منازلهم نارا مماثلة. في احد معابدهم في بومباي، بقيت هذه النار مشتعلة حوالي ٢٠٠ عام، و تصل عبادتهم للنار إلى حدّ أنهم لا ينفخون على شعلة خوفا من أن يدنسوها بأنفاسهم كما لا يطفئون النار بالماء حتى لو أحرقت منزلهم بالكامل. إن تطهير الجسد نقطة اساسية في ديانة الفرس، فضلا عن المسلمين و الهنود كما يؤدّون صلاتهم وقوفا، و قلما يقومون بختان اولادهم شأنهم في ذلك شأن الهنود، و يزوجون اولادهم كهؤلاء الاخيرين قبل بلوغهم سن السادسة و يكتفون بامرأة واحدة فإن كانت عاقر يتزوج
(*) يحمل العمل اسم زند افستا(Zend Avesta) و قد كتبه زرادشت، و يضمّ افكار هذا المشرع اللاهوتية و الفيزيائية و الاخلاقية فضلا عن طقوس الديانة التي وضعها. و الخطوط العريضة المهمة المتعلقة بتاريخ بلاد فارس القديم.