رحلة إلى شبه الجزيرة العربية وإلى بلاد أخرى مجاورة لها - كارستن نيبور - الصفحة ٢٢٠ - الرحلة من البصرة إلى لملوم و مشهد علي، و مشهد الحسين، و الحلة، و بغداد
و يلفت الانظار في هذا المكان مسجد كبير فيه مصلى يطلق عليه الشيعة اسم مذبح الحسين و يقال انه يقوم في المكان الذي داست فيه الخيل جسد حفيد محمد و الذي دفن فيه. لكن السنة يشكّون في امكانية تحديد مكان مقتل الحسين و دفنه بهذه الدقة، و إن كانوا لا ينكرون ان المعركة دارت في هذه المنطقة. و رأيت أن رسم هذا المسجد أخطر من رسم مشهد علي، حتى أني لم أجرؤ على الظهور في فنائه أثناء النهار، لكني قصدته ليلا معتمرا عمامة تركية، يرافقي رفيق رحلتي، و بما أنه كان مضاء بسبب احتفال كبير، رسمت منظره عند عودتي على اللوحةXLII قرب الحرف (جC ) مما يعطي القارىء فكرة عن بناء هذا الصرح. تكثر النوافذ في الجدار الامامي، و هو أمر ملفت في بلاد لا تعرف الزجاج ابدا، و لعلها هدية من بعض الفرس الذين ارسلوها من مصنع شيراز. و نجد وراء الصرح الامامي، قبة عالية يقال إن الحسين دفن تحتها، و تحيط بها أربع مآذن، و نرى على مسافة قريبة منها قبة أخرى أعرض من الأولى و أقل منها ارتفاعا، فلم اتمكن من اظهارها على الرسم من هذه الجهة. و يقوم كل هذا في ساحة كبيرة تحيط بها من الجهات الاربع منازل الشيوخ و الدراويش، و نلاحظ أمام المدخل الرئيس للمسجد وجود شمعدان كبير من النحاس كذاك الموجود في مشهد علي. و يغيب الذهب من الخارج، و لكن يقال إن هناك أشياء ثمينة فوق قبر الحسين لكنها لا تقارن بكنوز ضريح علي.
و يشير الشيعة هنا إلى قبور العديد من أهل الحسين و اصحابه الذين قتلوا في معركة كربلاء و يعتبرونهم شهداء، كما بنوا مسجدا كبيرا داخل المدينة تكريما لشقيق الحسين العبّاس، و قد رووا لي الكثير عن هذا الاخير لكني لن أورد إلّا ما يلي: كان الحسين يعاني من ظمأ شديد، فحفر العباس الارض في مكان يسمى حما قاع(Heima Kaa) ، سآتي على ذكره لاحقا، لكن لم يجد ماء، فتقدم حوالي فرسخ إلى الشمال و ملأ قربته، و في طريق العودة، هاجمه الاعداء، و حاولوا الوصول إلى الماء، و قطعوا يده فأخذ القربة بيده الاخرى فقطعوها، عندها التقطها بأسنانه لكن احد الاعداء صوّب سهما نحو القربة و خرقها فسالت المياه منها، و عاد العباس من دون أن يتمكن من إرواء ظمأ اخيه.
و من بين الامكنة التي يقصدها الحجاج هنا، المكان الذي وقع فيه جواد الحسين و خيّاله، و هو خارج المدينة، على الدرب المؤدية إلى مشهد علي، و قد تم بناء مصلى صغير هنا. و قصّ عليّ الدليل بالتفصيل ما قاله الامام لعائلته في هذا الموقع، و ما أمر به قادته، لكني لم أجد داع لذكر هذه الامور هنا. و نصب الحسين خيمته للمرة الاخيرة قرب حرية قاع(Heria Kaa) ، و قد تحوّل هذا المكان حاليا إلى حديقة كبيرة في الجهة الاخرى للمدينة. و نرى في المكان الذي لم يجد فيه العباس الماء بئرا عظيما، امتلأ بالماء بفضل أعجوبة و ذلك استنادا إلى رأي الشيعة، الذين يعتبرونه