رحلة إلى شبه الجزيرة العربية وإلى بلاد أخرى مجاورة لها - كارستن نيبور - الصفحة ٢٩٥ - الرحلة من الموصل إلى ماردين
أما حاكم نصيبين فبيك، يستلم مهامه من والي ماردين، علما ان هذه المنطقة كانت تتبع في ما مضى باشا ديار بكر، و يدفع المسافرون حاليا رسم مرور لموظف خاضع لوالي ماردين و مكس لمدير الرسوم في ديار بكر. و لا يوقف الاول المسافرين طويلا لأنه لا يحسب الحمولة التي يترك امرها لرجال الجمارك. و أراد خادمي، و هو ماروني من حلب، ان يتفاخر و أن ينال التقدير في القافلة، فأشاع اني سيد ثري عائد من الهند، مما جعل رجال الجمارك يظنون اني احمل معي الكثير من اللآلىء و الاحجار الكريمة، فطلبوا مني فتح كافة الصناديق، في حين ان رجال الجمارك في المحطات الاخرى ما أن يروا كتبي يعتبرونني درويشا لا يحمل بضائع. لكن خادمي هذا لا يعرفني حق المعرفة، بل انه يجهل اسمي، فقد استخدمته في بغداد بدل أحد المسلمين الذين عاد إلى البصرة. و بما ان العرب و الاتراك يسألونني غالبا عن اسمي و يجدونه غريبا فينسونه على الفور، و بما أنهم يطلبون مني شرح معنى «نيبور» باللغة العربية، و يستغربون كيف لا نحمل اسماء كأسمائهم الخ، الخ، اسميت نفسي عبد الله لأن هذا الاسم شائع بين المسيحيين الشرقيين و بين المسلمين فتخلصت بذلك من اسئلة و اجوبة غير مجدية. و سمعني خادمي الحالي أقول عبد الله آغا، فأخذ يدعوني بهذا الاسم و لم يعرف اسمي الحقيقي إلّا حين وصلنا إلى حلب.
و حاول خادمي هذا التعرف على كافة المسافرين في القافلة، و عاد قبيل وصولنا إلى نصيبين يرافقه يهودي من براغ علم اني اوروبي. و هو حاخام، جاء لزيارة قبور يونس و حزقيال و غيرهما من الانبياء و الشخصيات الوارد ذكرهم في التلمود، و لاحظت انه باع كتبا عبرية في هذه البلاد لتغطية نفقة سفره التي لا اظنها مرتفعة لأن اليهود الشرقيين في المدن مضيافون لأبناء دينهم كالاوروبيين.
و اشتكى هذا الحاخام من تاجر من ابناء دينه من الموصل، طلب منه تسليفه المال الذي يحمله حتى حلب، لكن الحاخام رفض ذلك. و اضاف ان هذا التاجر يسيء حاليا معاملته، و أن غيره من اليهود لا يحركون ساكنا حين يطالبه المكاري، و هو مسلم لا يمكنه التفاهم معه بلغته، بالمال لسبب أو لآخر و حتى حين ينهال عليه بالضرب. أما السبب الحقيقي الذي دفع هؤلاء اليهود الشرقيون إلى ترك هذا اليهودي برأيي، فهو لأنه حاول التفاخر بعلمه و مقامه و لأنه بخيل للغاية في حين انه يحمل ما يكفي من المال. و رجاني أن أخلصه من ابناء دينه الذين اظهروا قساوة تجاهه، فأسديت له هذه الخدمة، و أمّنت له مكاريا مسيحيا قسّم أغراضه على بغاله كافة، و يكره المسيحيون عادة اليهود أكثر من المسلمين في هذه البلاد الشرقية، لكنهم لم يقدموا على اهانته لأنه وضع نفسه في حمايتي، و قد شكرني على ذلك. و بما أن المسيحيين يعلمون ان اليهود لا يسافرون نهار السبت، ابطأ المكاري على بعد فرسخ من ماردين، و بقي مع اليهودي و خادمه، و هو شاب من براغ، لكنها لم تكن سوى حجة للحصول على المال، و طالبه بقرشين ليكمل السير في ذاك اليوم، و اضطر اليهودي إلى دفع المال، و هكذا أوصلته إلى ماردين، نهار الجمعة عند المغيب،