رحلة إلى شبه الجزيرة العربية وإلى بلاد أخرى مجاورة لها - كارستن نيبور - الصفحة ٢٦٦ - سير رحلتي من بغداد إلى الموصل
إلى قرية طوق، التي غالبا ما تطهرها مياه النهر. نشاهد على الطريق، مروجا و حقولا في غاية الجمال، و يقال ان طوق كانت تعرف قديما بداكوك (*)، و قد بقي منها اليوم بوابة كبيرة، و جامع رحب، مبني من الآجر المشوي. كما و ان معظم المنازل مبنية من الطين و الصلصال. نشاهد، على مقربة من القرية، ضريح ولي مسلم، يدعى زين العابدين، يقال انه يعيد كل سنة، إلى احد العميان بصره فلا عجب اذن ان يزور ضريحه الملايين من المسلمين، و علمت ان ابيه، ايمان محمد دفن ايضا في هذه المنطقة، و ان تربة ضريحه، تستعمل للشفاء من كافة انواع الامراض.
في ١٠ آذار/ مارس، سرنا خمسة اميال لنصل إلى كركوك؛ و في الطريق شاهدنا سلسلة جبال منخفضة تحمل اسم رجل يدعى الاسكندر، مدفون فيها، و لا أخال ابدا انه الإسكندر الكبير (ذو القرنين)، كما اخبرني رفاقي في الرحلة. سمعنا في طوق روايات عديدة حول اللصوص الذين يزرعون الخوف في نفوس اليهود بغية الحصول على جزية منهم. و سألت احد الذين قضيت الليل في منزله، عن بندقيته و سيفه، فأجابني ان رحالة لا يحسنون استعمالها، قد قدموها هدية له، يوم كان يعمل جنديا و يرافق القوافل.
تقع كركوك في واد جميل و خصب، على ارتفاع ٣٥، ٢٩ من القطب. غير انه لم يتبق الا بعض الآثار من المدينة نفسها، الواقعة على سفح هضبة متعرجة، بقيت عليها حامية للانكشاريين، و حصن معين، شديد القذارة. و نشاهد في هذه البقعة ثلاثة جوامع تعلوها ابراج شاهقة، و يضم احدها اضرحة الانبياء، دانيال، و ميخائيل، و حنانيا، و اليعازر. و الجدير ذكره ان اليهود لا يشكون ابدا ان هؤلاء الانبياء قد دفنوا فعلا في هذا المكان. غير ان المسلمين لا يسمحون لهم بالدخول إلى الجامع و ممارسة شعائرهم الدينية.
في كركوك انضم، حوالي ٤٠ كلدانيا أو نسطوريا إلى الكنيسة الرومانية، و عندما علموا ان أوروبيا وصل إلى البلدة، جاؤوا لزيارتي، معربين عن فرحهم بمقابلة رجل من ارض القديس بطرس، و طلبوا مني بإلحاح ان أمضي معهم بضعة ايام. و كم تذمروا من تصلب رأي مسيحيي الشرق، و رفضهم تصحيح اخطائهم السابقة و الاعتراف بالبابا كحبر أعظم فنصحت هؤلاء الناس الطيبين بالتحلي بالصبر، دون ان ألفت انتباهم إلا انني لا اشاركهم الرأي. بصورة عامة، لاحظت ان مسحيي الشرق، يتبادلون الاحترام، و لا يطيقون الكاثوليك الرومان. أما المسيحيون الذين ارتدوا إلى الدين على يد الكهنة الاوروبيين فهم اعداء المسيحيين المحافظين اللدودين.
(*) اظن انها كانت تحمل اسم داكوكا، استنادا للترجمة الالمانية لتاريخ العالم المعاصر، لسملر، الجزء الثاني.
ص ٧٨. و لاحظت ان الاسماء التي نقرأها على خارطة بيان الرحلة، في اللوحتينXLI وXLV ، و منها ابو الفراش، الوباد، حديدين. هي اسماء القبائل العربية و الكردية التي تجوب هذه المناطق.