رحلة إلى شبه الجزيرة العربية وإلى بلاد أخرى مجاورة لها - كارستن نيبور - الصفحة ٢٢٩ - الرحلة من البصرة إلى لملوم و مشهد علي، و مشهد الحسين، و الحلة، و بغداد
كافة الاقاليم يمنع فيه السكان من لعن الخلفاء الثلاثة الاوائل و يلزمهم بذكرهم باحترام، كما يمنعهم من الاحتفال بذكرى الحسين، باختصار لن يبقوا شيعة انما سيشكلون المذهب الخامس للسنّة تحت اسم الجعفريين.
و هكذا، أعلم نادر شاه الفرس، منذ بدء حكمه، ما ينبغي أن يتوقعونه منه، و وجد العديد من رجال الدين أفكار الزعيم الجديد حول الدين ممتازة، فتولوا مناصب رفيعة، و كثر الحديث عن التسامح و المحبة ازاء الديانات الاخرى فضلا عن القضاء على التطيّر الخ. و وصف الشيعة بالخبثاء الجاهلين، الذين يسيئون تفسير القرآن و يمارسون شعائر غريبة، و يظنون أنهم يتقرّبون من الله ببكائهم و نحيبهم على موت الحسين. لكن مهما حاول الجعفريون السخرية من أتباع المذهب القديم، انتشرت ديانتهم ببطء شديد، لأنهم لم يتمكنوا من نشرها بالطباعة، و لم يؤمنّوا وظائف لأتباعها لأن عائلة مؤسس أي مسجد، تمنح المهمات فيه. و حاولوا جاهدين، دعوة الشيعة لعدم لعن الخلفاء الثلاثة الاوائل، و عدم البكاء على الحسين، لكن هؤلاء اعتادوا منذ سنوات سبّ أبي بكر و عمر و عثمان، فيستحيل عليهم حاليا اعتبارهم اناس شرفاء، و بما أنهم وجدوا العزاء في البكاء على حفيد نبيهم رفضوا ترك هذه العادة. و تبين بعد مراقبة تصرفات الجعفريين انهم غيّروا دينهم و لم يبدلوا طباعهم، و اذا ما اتهم رجال الدين الشيعة بالطموح، تبين أن الجعفريين يبحثون عن المكاسب و يسعون وراء النفوذ، و ان اتهم رجال الدين بالتطيّر، اتهم الجعفريون بالتشكيك اذ لوحظ أن رجال الدين لا يقصدون المسجد إلا لقاء أجر و أن العلمانيين لا يكترثون بالدين ظنا منهم أنهم يبتعدون بذلك عن التطيّر، و يتهم الشيعة بأنهم اعداء لغيرهم من المسلمين، و يدان الجعفريون بالتهمة نفسها، اذ يظهرون الاحترام و الرفق في تعاملهم مع غيرهم من المسلمين علما أنهم يكنّون العداء لأتباع مذهب أجدادهم و هذا لا يتناسب و مبادئهم. و وصف نادر شاه بالمشكك و الكافر و مضطهد عائلة ملكهم الشرعي الذي كان على الدين الصحيح. و قيل إنه وصل إلى العرش بالخداع و بقوة السلاح، فثار الرعايا عليه كلّما اتيحت لهم الفرصة. و من جهة أخرى، استغرب نادر الذي يعتبر نفسه مخلص الفرس من نير الطغاة (و لا يحتسب وحده بينهم) من افغان و اتراك و روس، و الذي اراد أن يكسب صيت من لم يقبل بالسلطة إلّا بناء على رغبة الفرس أنفسهم، نكرانهم للجميل، فأخذ يعاقب المتمردين، و بالرغم من ذلك، استمرت الثورات و استمر في قمعها، فأمسى طاغية متجبّرا. و لو لم يعمل نادر شاه على تغيير الديانة، لأحبه شعبه، و لتمكن من خلع السلطان التركي و نهب القسطنطينية، كما فعل بالمغولي و بمدينة دلهي، لكن حياته كلها غدت حربا متواصلة اذ توجب عليه مقاتلة اعدائه الخارجيين و قمع رعاياه الثائرين، و اخيرا، و بعد أن أتعب البلاد و قتل الكثير من سكانها، و بالرغم من انتصاراته، اغتيل في خيمته.