رحلة إلى شبه الجزيرة العربية وإلى بلاد أخرى مجاورة لها - كارستن نيبور - الصفحة ٢٤٠ - ملاحظات وضعتها في بغداد
و النقشبندية و الرفاعية و القلندرية ... إن تكية القلندرية هي بمثابة نزل يقصده الهنود المسلمون الفقراء بغرض الحج. إن مؤسس المذهب القادري هو الشيخ عبد القادر الكيلاني المولود عام ٥٦٠ ه و الذي عاش ٩١ عاما و دفن في بغداد في المنطقة ١٠ (خريطة اللوحةXLIV ) تحت قبة كبيرة.
و لشدة ما تكثر عائدات مقامه يعتاش منه ٣٠٠ شخص و ينام فيه بعضهم مجانا. إن هذه التكية بعيدة عن النهر لذا لديها قناة خاصة بها تجرّ إليها مياه دجلة. عندما كنت أتأمل القبة الكبيرة على المسجد و ضريح عبد القادر الذي لم يبد لي أكبر حجما من قصر العين على النيل قرب القاهرة أتى درويش و دعاني بتهذيب فائق للدخول إلى منزله ثم حكى لي عن إحدى معجزات شيخه.
بينما كان عبد القادر يخطب يوما من منبره أمام عدد كبير من الناس توقف فجأة و حمل قبقابه الخشبي (راجع الصور أ، ب، ت. من اللوحةII من كتاب وصف شبه الجزيرة العربية) و رماه على الحائط فاختفى القبقاب. بعد دقائق رمى قبقابه الثاني الذي اختفى بدوره. لم يفهم الحضور ماذا يجري و لا كيف اختفى القبقابان. و إليكم تفسير ما حدث. كان بعض التجار في طريقهم إلى بغداد لإنجاز بعض الاعمال و لزيارة الشيخ عبد القادر عندما اعترضتهم مجموعة من اللصوص العرب فما كان منهم إلا إن استنجدوا بالشيخ في صلواتهم فألقى بقبقابه الذي أصاب رأس أحد رؤساء العصابة. ظن اللصوص في بادىء الامر انه قبقاب أحد التجار فصاروا يعاملونهم بمزيد من العنف و القسوة لكن ما إن رأوا القبقاب الثاني يطير نحو رأس عربي آخر حتى اقتنعوا بوجود أحد الأولياء العظماء الذي يحمي المسافرين فأعادوا إليهم أموالهم و أغراضهم و تركوهم يكملون طريقهم بسلام. بعد أربعة أسابيع وصل التجار إلى بغداد فأعادوا إلى الولي قبقابيه و شكروه على نجدتهم و نشروا خبر المعجزة حيثما ذهبوا.
يبلغ عرض نهر دجلة بالقرب من هذه المدينة من ٦٠٠ إلى ٦٢٠ قدما. هناك جسر يصطف تحته ٣٤ مركبا صغيرا ربط الواحد منها إلى الآخر بواسطة ثلاث سلاسل ضخمة. عندما يكون الطقس جيدا و النهر قليل الهيجان يصلح الجسر للاستخدام لكن عندما يهب الهواء بعكس اتجاه المياه يصبح الجسر غير آمن على الاطلاق. و عندما يرتفع مستوى الماء في النهر فجأة دون أن نفك السلسلة على الشاطىء كثيرا ما تتحطم هذه الأخيرة. رأيت مثلا على ذلك في كانون الثاني/ يناير ١٧٦٦ عندما هبت ريح هوجاء من الجنوب الشرقي. في بداية هذا الشهر كان الجو هادئا فذابت الثلوج على الجبال و انحدرت المياه لتصب في دجلة فارتفع مستوى المياه في النهر في منتصف شهر كانون الثاني/ يناير و تحطمت السلاسل و جرف التيار السفن الصغيرة و الجسر. كما نفقت بعض المواشي أما البشر فرموا أنفسهم داخل السفن حفاظا على حياتهم. و لشدة ما صارت نسبة المياه في النهر ترتفع خرجت عن حدودها و طافت المدينة بكاملها في الايام ١٩ و ٢٠ و ٢١.