رحلة إلى شبه الجزيرة العربية وإلى بلاد أخرى مجاورة لها - كارستن نيبور - الصفحة ٢٤١ - ملاحظات وضعتها في بغداد
في اليوم ٢٠ بدأت الأمطار بالهطول لكن منسوب المياه لم يرتفع كثيرا و ذلك إلى شهر آذار/ مارس حين بدأت الثلوج بالذوبان و صار النهر يفيض شيئا فشيئا في الموصل و بالتالي في بغداد. يقال إن الفرق بين المستويين الأعلى و الأدنى لمياه نهر دجلة يعادل ٢٠ قدما تقريبا.
لم أستطع تحديد مكان الضاحية من الجهة الشرقية لدجلة بسبب انخفاض مستوى اليابسة و فيضان الماء عليها عندما كنت هناك. هناك عدد كبير من البساتين في هذه الضاحية لكن عدد سكانه أقل من عدد سكان المدينة. يقع طرفها الشمالي على جزء من بغداد القديمة التي كانت تمتدّ من هنا إلى موسى الكاظم. إذ لا نزال نرى هنا آثار مبان و مسجد و قبور مسلمين ذائعي الصيت ماتوا في المدينة. بالقرب من الرقم ١١ على الخارطة (اللوحةXLIV ) نجد تكية البكتاشيين، و هي قديمة البناء و شديدة الارتفاع. فوق المدخل هناك كتابة تأذّت كثيرا بفعل الزمن ربما لكن يمكن أن نقرأ ما جاء تحتها [١]. أما باني التكية فهو قلج ارسلان ابن الملك مسعود من طائفة سلجوق عام ٥٨٤ ه (١١٨٨ م). حول هذا المبنى من الاعلى نجد آيات من القرآن بأحرف كوفية من الفخار. إن الجزء الأكبر منها قد أتلف بفعل الزمن، كيف لا و قد مرّت عليها ٦٠٠ سنة لكن لإعطاء القارىء فكرة عن هذه الكتابة و عن الزينة الموجودة فوقها نقلت بدايتها لأنها أقل تأذ من غيرها و هي موجودة في اللوحةXLIII قرب الحرف (هE ) (بB ).
إن هذه الأحرف قريبة جدا من الأحرف الموجودة في اللوحةIX من وصف شبه الجزيرة العربية و التي نقلتها في اليمن. فمن هنا يمكننا ان نعرف ان العرب عملوا على تزيين ابجديتهم عندما كانت العلوم مزدهرة عندهم. و لو انهم تابعوا على هذا النحو لتكبد علماء اوروبا الكثير من المشقة لفك رموز كتابتهم. إن النقش على غطاء آنية من فخار وجدته بالقرب من تخت كسرى و نرى صورة له في كتاب أسفار إيف(Ives) هو من الصنف نفسه. و لقد أكد الناس للمسافر الذي وجدها انها كتابة فارسية.
بالقرب من الرقم ١٢ هناك قلعة صغيرة دفنت تحتها السيدة زبيدة [٢] الشهيرة عند العرب و هي زوجة الخليفة هارون الرشيد التي توفيت عام ٢١٦ ه (٨٣١ م). عام ١١٢١ ه (١٧١٨ م) دفن حسن باشا زوجته عائشة ابنة مصطفى باشا بالقرب من زبيدة السابقة الذكر و وضع على ضريحها شاهدا نقشت عليه كتابة أنقلها لاحقا [٣] كما و حسّن البناء و شيّد أبنية أخرى للمسافرين. على مقربة من هذا
[١] الملك العدل قلج ارسلان ابن الملك مسعود ابن العدل قلج ارسلان من طايفة سلجوق و ذلك في سنة اربعة و ثمانين و خمسماية.
[٢] هذا قبر المرحومة المغفورة الموفقة للخبرات الجارية ست زبيدة بنت جعفر بن منصور الدوانيقي و زوجة هارون الرشيد من خلفاء بني العباس توفيت في سنة مايتين و ست عشرة الى روحها الفاتحة هذا قبر المرحومة المغفورة الصالحة العفيفة الساعية الى الافعال المرضية و الاعمال اللاتي تستجلب مرضاة الآلهة عايشة خانم بنت المرحوم مصطفى باشا صاحب السلطان محمد خان عليه الرحمة و الغفران و زوجة دستور الحرام و الوزير الافخم والي بغداد دار السلام ابو الخيرات حسن باشا يسر الله له الخير كما يجب و يرضى و يشاء توفيت في شهور رمضان سبعة عشرين ليلة القدر في سنة واحد و ثلاثين و ماية و الف.
[٣] هكذا يكتبها العرب اليوم: وَ السَّابِقُونَ السَّابِقُونَ (١٠) أُولئِكَ الْمُقَرَّبُونَ (١١) فِي جَنَّاتِ النَّعِيمِ (١٢) ثُلَّةٌ مِنَ الْأَوَّلِينَ (١٣) وَ قَلِيلٌ مِنَ الْآخِرِينَ (١٤) عَلى سُرُرٍ مَوْضُونَةٍ (١٥) مُتَّكِئِينَ عَلَيْها مُتَقابِلِينَ (١٦) (الواقعة).