رحلة إلى شبه الجزيرة العربية وإلى بلاد أخرى مجاورة لها - كارستن نيبور - الصفحة ٣٥٢
المستعملة في كل بلد و الحسنات التي يحصلون عليها و المقاهي التي يدفعون لهم فيها و الاموال التي دفعوها للجمارك. و هم بغالبيتهم لا يعودون إلى بلادهم الا بعد ان يكونوا قد جمعوا المال الكافي لشراء بستان فيه شجر زيتون و تين و بعض الاراضي. حينئذ يخبرون اهلهم بالحفاوة التي استقبلهم بها الملوك و الامراء الاوروبيون و يسخرون منهم لأنهم دعوهم إلى موائدهم بصفتهم امراء.
و سرعان ما يتمنى احد اصدقائهم القيام برحلة مماثلة ليس رغبة بالدين المسيحي بل لجمع المال.
فيأخذ خارطة الطريق و يستعلم عن المدفوعات و المداخيل التي يمكن ان يحققها امير الزيتون (هكذا يسميهم ابناء بلدهم على سبيل السخرية) العائد و يأخذ رسائل توصية إلى روما يكتبها له بعض البطاركة و الرهبان الاوروبيون (لقاء بعض المال أو لقاء بعض الهدايا) ثم يشتري سيفا جميلا و خنجرا رائعا و يستأجر خادما قام بهذه الرحلة من قبل ثم يتجه نحو اهم بلدان و مدن اوروبا حيث قبض صديقه الامير المزيّف اكثر ممّا دفع.
لقد اغدقت هذه المهنة اموالا طائلة على الامراء الموارنة الذين قاموا بالاسفار. اما الاسياد الاوروبيون فلم يرغبوا قط في معرفة الحقيقة. لقد كان الفضول يتملكهم هم و سيدات البلاط للتعرف على امير عربي أو على امير من جبل لبنان أو من فلسطين. و لم يكونوا يكتفون بالاستماع إلى أقواله بل و يدعونه إلى ولائمهم و متى اشتدت الروابط معه يرسلون اليه الهدايا. لكن هذه المهنة لم تعد تدرّ الكثير من الاموال على امراء الزيتون بسبب الاعداد الكبيرة التي تفد منهم إلى أوروبا.
عرفت عددا من امراء الزيتون في اوروبا و كانوا يتذمرون من أن الملوك و الامراء لم يعودوا سلسين كما في السابق اذا انهم لا يسمحون لهم بالتجول مجانا في كافة المدن و القرى كما كانوا يفعلون في السابق و يجنون الهدايا من الناس و يطلبون المال من الفلاحين الذين يدفعون لهم دون تردّد لأنهم طردوا من بلدهم على أيدي الكفار. و لأن الفلاحين يحبون رؤية الامراء العرب في ثيابهم الشرقية (التي يزينها هؤلاء الامراء الشحاذون بالذهب و الفضة على طريقة الشرقيين) كما لو انه حيوان غريب في السوق أو فانوس سحري ... لكن نظرا لكثرة هؤلاء الامراء الوافدين بدأ مسؤولو القرى و الفلاحون يسأمون منهم. لهذا السبب لم يعد الامراء الاوروبيون يسمحون لهم باللف و الدوران بل صاروا يعطونهم هدية نقدية و يدفعون كلفة اقامتهم في النزل احيانا ثم يرسلونهم في أسرع وقت ممكن. و هكذا فإن الامراء الموارنة هم اسرع من يقوم بأسفار. أنا شخصيا لم احس بالشفقة على أي من هؤلاء الامراء المزعومين الذين التقيت بهم في اوروبا سوى المدعو عبود بن شديد فلقد كان ينتمي فعلا إلى إحدى الفروع العريقة من عائلة حبيش و كان يحمل رسالة توصية اعطاها ملك فرنسا في الماضي إلى والده ثم إليه. كان والده يملك قرى في منطقة الفتوح بالاضافة إلى أراض واسعة و بساتين و بيوت في غزير لكنه اصبح فقيرا بسبب الحروب الداخلية مع