رحلة إلى شبه الجزيرة العربية وإلى بلاد أخرى مجاورة لها - كارستن نيبور - الصفحة ١٤١ - ترجمة النقوش ه
نتفاجا ابدا، ان لم يتبق من صروح هذه المدينة الأربعة، سوى بعض الركائز، و الحجارة الكبيرة، التي تعذر نقلها إلى مكان آخر.
نشاهد شمالي نهر بلور (على مقربة من برسيبوليس أو إصطخر) مدافن الملوك المزعومين.
و الملفت للنظر ان طبيعة الصخرة الملساء ساهمت في جعلها واجهة لهذه المقابر دون بذل عناء كبير. غير ان هذه الأضرحة لا تضاهي تلك التي قرب القصر المذكور جمالا و روعة، رغم انها كلها متشابهة من الخارج؛ تتميز مداخلها بعلوها و ارتفاعها عن الأرض، إلى حد اننا لا نستطيع الوصول اليها دون الاستعانة بسلم، و لكن لم تسنح لي الفرصة لاتخاذ هذه التدابير كلها. بيد انني علمت في السنة التالية ان السيد هيرفيل، زار برسيبوليس ثانية، و كتب لي تفصيليا عما عثر عليه داخل احد الأضرحة. وجد غرفة طولها ٤٠ قدما و عرضها ٢٠، و في جدارها الداخلي ثلاث كوات، وضع في كل منها صندوق ارتفاعه ٤ أقدام، و طوله ٩، و عرضه ٨، مغطى بحجر كبير مسطح. و لما كننا نعتبر هذه الغرف مقابر، خطر للسيد هيرفيل انه قد يعثر في داخلها على توابيت المومياء؛ فأخذ معه مطرقة و مثقابا لفتح التوابيت، غير انه اكتشف ان تعبه ذهب سدى، خاصة و ان الرحالة السابقين، ثقبوا الغطاء، ليمرروا عبره ايديهم، حاملين المصابيح؛ و بعد ان حذا السيد هيرفيل حذوهم، لم يجد في الداخل سوى التراب.
يمكننا بالتالي الاستنتاج ان هذه التوابيت لم تحو جثثا أبدا؛ فمن خلال وصف السيد هيرفيل، يتضح لنا أن ثقوب الغطاء صغيرة للغاية، و لا يمكن اخراج الجثث عبرها و نقلها إلى مكان آخر؛ كما و ان عرض هذه الصناديق لا يتناسب مع طولها، شأنها شأن التوابيت الحجرية التي نجدها في مصر، و أرض الميعاد و ناتولي، و اليونان، و يبدو لنا جليا ان هذه الصناديق لم تصنع لتبقى فارغة، بل كانت للاحتفاظ بالاشياء الثمينة فيها، و خاصة تلك التي تنقل بسهولة. غير ان هذه الغرف المنحوتة في الصخر، كانت مخصصة لدفن الجثث، و خاصة جثث الملوك، حفاظا على ذكراهم، شأنهم شأن ملوك مصر، الذين دفنوا في تلك الأهرام الضخمة. و رغم اننا لا نجد اليوم بقايا اجساد ميتة، لا نستطيع القول، ان هذه الصناديق لم تحو جثثا أبدا. فلعل هذه الغرف قد فتحت منذ زمن بعيد، و سرق القرويون المقيمون في هذه المنطقة الجثث التي لم تهترىء بعد.
تكثر قرب هذه القبور الجميلة، الرسومات الكبيرة المحفورة على الصخر، و التي تمثل مآثر بطل بلاد فارس القديم، المدعو رستم؛ و هي تسمى نقشي (أي صورة) رستم (*)، و أظن ان واجهات
(*) يقول هيرودوت في كتابه الثالث، ص ٨٣، ان داريوس طلب صنع تمثال له، و هم ممتط جواده. و لعل هذه الرسومات التي نشاهدها هنا و هنا، في بلاد فارس، و التي تعرف كلها باسم رستم، تجسد ملوكا قدامى.