رحلة إلى شبه الجزيرة العربية وإلى بلاد أخرى مجاورة لها - كارستن نيبور - الصفحة ٣١٥ - الرحلة من ماردين إلى حلب عبر ديار بكر
نمرود الذي ورد ذكره في الكتاب المقدس اقام في قصر هنا لذا حملت القلعة اسمه، و هي قديمة للغاية و تستحق ان يشاهدها اي اوروبي يقصد البلاد. و في الجبل غرف عدة محفورة في الصخر، لكنها مهجورة باستثناء تلك الواقعة قرب الرقم ٦ فهي مسكونة حاليا.
احصيت في هذه المدينة ١٢ مئذنة، بعضها مربع الشكل، و يشبه احداها إلى حدّ بعيد جرس كنيسة مسيحية. أما المنازل فمبنية بشكل جيد و متين، و جل ما يلفت الانظار هو مسجد جميل و كبير، قرب الرقم ٧، بناه على ما يبدو و مسلم مؤمن حلم ان ابراهيم صلّى في هذا المكان، و تدفع هذه الاحلام المسلمين إلى بناء المساجد كما يبني الهنود معابدهم، و يطلق عليه اسم خليل الرحمن و مقام ابراهيم. كما نجد عند سفح الجبل نبعين غزيرين، يرويان البساتين و الحقول و يديران الطواحين، و تقوم امام كل من النبعين بحيرة واسعة و جميلة تكثر فيها الاسماك و مخصصة لإبراهيم، و يحمي القاضي هذه الاسماك، كما يرون ان الله عاقب من حاول المساس بها، لكن بالرغم من ذلك يقال ان العديدين يستفيدون منها (*).
يقيم الارمن في حوالي ٥٠٠ منزل في المدينة، و يملكون كنيسة كبيرة و رائعة قرب الرقم ٨ على الخارطة. تهدم قسم كبير منها لكن القسم المتبقي زيّن بسجاد عجمي جميل، كما يصلون في كنيسة اخرى خارج المدينة قرب الرقم ٩ و تدعى خضر الياس. و لليعقوبيين كنيسة هنا، لكن رعيتهم لا تتعدى المئة و الخمسين منزلا، و حاول المبشرون الكاثوليك دعوة الناس مرارا في هذه المدينة لكنهم لم ينجحوا في ذلك.
علمت ان الحكيم باشي (أو طبيب الباشا) اوروبي، لذا اعتبرت أنّ من واجبي زيارته، و تصورته جراحا ايطاليا أو فرنسيا ففوجئت حين ألفيته شابا يونانيا في الخامسة و العشرين من عمره. كانت ارض غرفته مغطاة بسجادة جميلة، على الطريقة الشرقية، و وضع قرب الحائط أريكة مريحة، و يتدلى من الحائط حسامه و مسدساته المطلية بالفضة فضلا عن سرجه و لجامه المزينين بالمعدن نفسه.
و لم يجبني على اسئلتي بل اكتفى بالحديث عن نفسه، فقد درس لسنوات في جامعة ايطالية كغيره من الاطباء اليونانيين الميسورين، و يؤمن بعلم الفلك و بالاحلام، و روى لي احلاما عدة تحققت، فقد حلم على سبيل المثال بمغزل (بالايطالية رها) بعدها أصبح سيّده باشا هذه المنطقة التي تسمى الرها. و اكد ان منزلته عالية عند الباشا و انه لا ينتظر سوى لحظة يصبح هذا الاخير ثريا مقتنعا ان الثروة ستهبط عليه عندها، لكن هذا الامر لم يتحقق في وقت قريب لأن الباشا لم يتزوج
(*) اشرت سابقا الى وجود هذه الاسماك المقدسة في شيراز، و رأيت بحيرة اسماك مماثلة في ديار بكر ثم في سلحف(Salchin) قرب انطاكيا.