رحلة إلى شبه الجزيرة العربية وإلى بلاد أخرى مجاورة لها - كارستن نيبور - الصفحة ٢٠٥ - الرحلة من البصرة إلى لملوم و مشهد علي، و مشهد الحسين، و الحلة، و بغداد
القبيلة الباشا ظنا منهم انهم تصالحوا معه، و رأى هذا الاخير ان الفرصة لن تتكرر فأمر بقطع رؤوسهم جميعا (*)، و هكذا ضعف نفوذ قبيلة المنتفق و لم تتجرأ حتى اليوم على العصيان. و يقال إن أحمد باشا الذي يقدر القيمة الشخصية حتى لأعدائه غضب من تصرف صهره، لكن غالبية الاتراك تعتبر حملة سليمان هذه دليلا على شجاعتهم في حين أن العرب ينظرون اليها كعمل جبان و وحشي.
و تسيطر قبيلة بنو لام على دجلة، و تسبب متاعب عدة لباشاوات بغداد. حين أضحى أحمد باشا على بغداد للمرة الاولى، شنّ حملات عدة على هؤلاء العرب لكنه لم يتمكن من إلقاء القبض عليهم، لكثرة جواسيسهم في المدينة فما أن يعلموا بأن الجيش سيخرج حتى يتراجعوا إلى مناطق نائية. و عندما وصل إلى الحكم للمرة الثانية، ضرب و رجاله الخيام امام المدينة، و قام بتحضيرات كثيرة كما لو أنه يستعد لدخول المدينة في أبهى حلّة، و بقي عرب بني لام، الذين علموا بالأمر، آمنين، ظنّا منهم أنه لن يهاجم طالما لم يسيئوا اليه أولا أو أنه سيدخل المدينة أولا، لكنه رفع الخيام في الليل و هاجمهم بسرعة حتى أنهم لم يعرفوا بمخططه. و كسب في هذا الهجوم عدة غنائم من إبل و جياد و ابقار و خراف، و قطع رؤوس المشايخ فأضعف القبيلة التي لم تعد تفكر بالعصيان.
و يلجم الباشاوات العرب المقيمين في مناطق حكمهم بهذه الوسائل، و يمكننا أن نتصور بسهولة أن البدو في الصحراء لا يهتمون قط بحكم السلطان و الباشاوات.
و يطلق على المنتفق و بني لام و القبائل العربية الحقيقية الاخرى اسم أهل البعر(Ahhl el Baar) أو البدو، و يعملون في تربية الجمال و تدريبها، و يقيمون معظم الوقت في الخيام و يتركون أمر الزراعة للفلاحين، و يأتي السادة العرب في أوقات معينة من السنة لجمع الضرائب مستخدمين العنف و القسوة احيانا. و تسمى قبيلة كعب المقيمة على مصب النهر أي على شط العرب و غيرها من القبائل التي تقيم دائما في القرى و المدن، العرب الحضر.
و نصادف عربا آخرين، يعملون في تربية الجياد و الابقار و الجواميس، فضلا عن الزراعة و ينقلون أكواخهم الحقيرة من مكان إلى آخر كما يفعل البدو مع خيامهم، و يطلق على هؤلاء اسم المعدان(Moadan) . و تقيم في شرق الفرات قبيلتان من هذه القبائل، و هما بني حاكم(Beni Hakem) و خزعل و تتبعان المذهب الشيعي. أما القبيلة الاولى فصغيرة العدد و لا تسبب مشاكل للاتراك، لكن
(*) كما غدر باليزيديين المقيمين في جبل سنجار، اذ اقنع شيوخ الجبل المهمين بزيارته و طلب العفو على عمليات النهب التي قاموا بها، لكن ما إن وصلوا الى خيمته حتى امر بقطع رؤوسهم.