رحلة إلى شبه الجزيرة العربية وإلى بلاد أخرى مجاورة لها - كارستن نيبور - الصفحة ٢٣٣ - الرحلة من البصرة إلى لملوم و مشهد علي، و مشهد الحسين، و الحلة، و بغداد
و غيره من الكتّاب اليونانيين، فنجد بقايا منها على بعد ثلاثة أرباع الميل إلى الشمال الغربي من الحلّة قرب الضفة الشرقية للنهر، و لا تتعدى هذه البقايا كونها تلالا كبيرة محفّرة.
ان الجدران التي ترتفع فوق الارض قد استخدمت منذ زمن، لكن الركائز موجودة، و رأيت بنفسي اناسا يعملون على نبش هذه الاحجار لنقلها إلى الحلّة و في حين لا نجد في المنطقة الممتدة من الخليج الفارسي و حتى كربلاء سوى اشجار البلح، نصادف بين التلال اشجارا متفرقة تبدو معمّرة. كما نرى في هذه المنطقة، و على ضفتي الفرات، تلالا صغيرة محفّرة مليئة بكومات الآجر.
نجد على بعد ميل و ربع إلى الجنوب الغربي من الحلّة، و بالتالي إلى الغرب من الفرات بقايا أخرى لمدينة بابل القديمة، و منها تلة كاملة من هذه الحجارة الجميلة التي ذكرتها، يعلوها برج مليء بهذه الاحجار، لكن الخارجية منها ضاعت مع الوقت في هذا الجدار العريض أو على الاصح في كومة الاحجار الكبيرة هذه. و تظهر هنا و هناك فتحات صغيرة من جهة إلى أخرى، تسمح بلا شك بمرور الهواء و تمنع بالتالي الرطوبة التي تضرّ بالمبنى. و في زمن ازدهار بابل، حيث كانت المنطقة مليئة بالمنازل، لا بد أن موقع هذا البرج كان رائعا اذ نشاهد عند اقدامه مشهد عليّ و هو مسجد يبعد عنه حوالي ثمانية فراسخ. و قد رأيت هذا البرج خلال رحلتي الاولى إلى الحلّة و ظننته مرقبا، و أطلق عليه الدليل الذي يرافقني اسم برس أو نمرود، و روى لي أن ملكا يحمل الاسم نفسه بنى في هذا المكان قصرا رائعا و كبيرا. و قد اعتاد هذا الملك عند اشتداد الرعد أن يطلق السهام في الهواء معلنا الحرب على الله، و تبجح يوما بأنه جرحه و أظهر سهما سقط من الاعلى مضرجا بالدماء، فعاقبه الله و ارسل عليه حشرات، لم يأمن منها حتى في قصره فلاحقته حتى قتلته، الخ، الخ.
و لم أتمكن من التعرف هنا على علماء مسلمين، باستثناء القاضي الذي لا يعرف عن برس و القصر سوى الحكاية التي أوردتها آنفا، لكن، بعد أن قرأت ما أورده هيرودوتس في كتابه الاول صفحة ١٧٠ حول بلوس(Belus) و برجه، بدا لي أني وجدت بقاياهما، لذا أرجو أن يقوم من سيأتي بعدي إلى هذه البلاد بأبحاث دقيقة و يعطينا وصفا لها. قمت بهذه الرحلة وحدي مع الدليل، لكن ما إن وصلت إلى المكان و تفحصت بعض الحجارة حتى رأيت فرسانا عربا بقربي، فاعتقدت أن من الحكمة أن أعود إلى المدينة. و لو علمت أن هذا البرج هو برج بابل لخاطرت قليلا، لكن لجهلي الامر، لم أجد داعيا للتعرض للنهب و الخطر بسبب كومة حجارة كما لم أر ضرورة القيام برحلة أخرى إلى المكان.
و نقع في محيط هذا البرج على قبتين بنيتا منذ حوالي ٤٠٠ عام، لكنهما انهارتا جزئيا، و نجد