رحلة إلى شبه الجزيرة العربية وإلى بلاد أخرى مجاورة لها - كارستن نيبور - الصفحة ٣١٨ - الرحلة من ماردين إلى حلب عبر ديار بكر
يطلب مني عندما يشك بالطريق التي ينبغي سلوكها ان اسأل ساعتي عن هذه الطريق.
و صادفنا ينابيع عدة، تقصدها فتيات القرى أو القبائل الرحالة من اكراد و تركمان لسقي الماشية، و لم يكنّ يغطّين وجوههن كما في المدن، و يتميزن بجمال لافت لكن الشمس احرقتهن، و ما ان نرمي عليهن التحية و ننزل عن جيادنا حتى يحملن الينا الماء و يسقين مطايانا. و قد عوملت بهذا اللطف في أماكن أخرى، لكن لطفهن بدا لي فريدا، لأن ربيكا، التي من دون شك ترعرت في هذه المنطقة، أظهرت هذا اللطف اتجاه المسافرين (سفر التكوينXXIV ) و لعلني شربت الماء من النبع نفسه، لأن حران(Haran) ، و هي حاليا منطقة صغيرة على بعد يومي سفر إلى الجنوب الشرقي من اورفة و التي يزورها اليهود غالبا، و هي على ما يبدو المدينة التي غادرها ابراهيم قاصدا بلاد كنعان (سفر التكوينXII ) و لعل عائلة اخيه ناخور(Nachor) بقيت في البلاد (*).
و عند المساء، و على بعد ميل من البير، التقينا كرديا على جواده، يرافقه ثلاثة اشخاص سيرا على الاقدام، و كنت وحيدا مع المكاري لكننا كنا نمتطي جوادينا، و احمل بندقية صغيرة في سرجي، و مسدسا في حزامي والى جانبه حسامي، و كنت قد أعرت مسدسي الثاني للمكاري الذي يحمل ايضا سيفا. للوهلة الاولى، اعتبرناهم اناسا قد يسطون علينا و يسلبوننا ما نحمل، مما دفعنا إلى التوقف على مسافة منهم حين توجه رئيسهم بالحديث الينا. لم أفهم أي كلمة من كلام الكردي، لكن مرافقي اخبرني لاحقا انه استفهم اذا ما كنت ذاك الاوروبي الآتي من اورفة، و انه تفاجأ حين علم اننا نود قطع المسافة بين اورفة و البير بيوم واحد، الخ، الخ. باختصار، سمع عني في المدينة، و لم يخرج هذه الليلة الّا لجمع بعض الناس للسطو عليّ في اليوم التالي، لكنه لم يكن يحمل سوى رمح و سيف و لم تتسلح جماعته إلّا بالسيوف، في حين اننا نحمل اسلحة نارية جاهزة، فرأى انه من الافضل ان يدعنا نكمل رحلتنا بسلام. انهيت رحلتي إلى اورفة من دون اي لقاءات مزعجة اخرى، و لا انصح غيري من المسافرين بتقليدي، فقد يصادفون، في هذه المنطقة النائية، مجموعة من الناس يمكن ان تسطو عليهم لفقرها أو لوقاحتها. و تحصل هذه الامور في اوروبا، فكيف بالاحرى في بلاد لا يسافر فيها المرء وحيدا. و لا ينبغي ان يسافر الاجنبي وحيدا، و أن يقطع حوالي عشرة أميال وحيدا في منطقة لا يجد فيها قرية واحدة و تكثر فيها القبائل الرحالة من اكراد و تركمان. و لا يتعرض للخطر من المجموعات الكبيرة إن لم تكن في حرب ضد الباشا، اذ تحتاج القبائل لأعداد كبيرة للقيام بأعمال كهذه، و قد يتمكن احد افراد القافلة من التعرف على زعيمهم فيعاقب الباشا القبيلة بأسرها. إن قطاع الطرق في تركيا، ليسوا فقط من التركمان و الاكراد
(*) ان حران هذه، هي استنادا الى بلينيوس مدينة كراس التي اشتهرت بعد هزيمة الروم فيها.