رحلة إلى شبه الجزيرة العربية وإلى بلاد أخرى مجاورة لها - كارستن نيبور - الصفحة ٢٩٦ - الرحلة من الموصل إلى ماردين
و قابلته مجددا في حلب، فأخبرني أنه تعرض للسلب بين ديار بكر و حلب، و كان يعلم ان المسيحيين و المسلمين لا يكترثون لليهود الذين يسافرون في قافلتهم إن اكملوا الرحلة يوم السبت ام لم يفعلوا، كما يعلم ان الدرب غير آمنة لمسافر وحيد، لكنه ترك القافلة تتحرك نهار السبت صباحا، فسطا عليه تركماني بعد ساعات قليلة. و بقي امامه حلّان، إما ان يحتفل بالسبت عاريا و جائعا و يسافر يوم الاحد، و إما ان ينطلق على الفور. فاتخذ القرار الحكيم و سارع للحاق بالقافلة.
و لم يكن ينبغي ان يظهر ايمانا زائدا، بل ان يتأقلم مع الوقت و الظروف و يتّبع مثل اليهود الشرقيين و خادمه الخاص الذي رافق القافلة في ذاك اليوم متنزها (و لا يسمى هذا سفرا يوم السبت) و حافظ على ثيابه، و اشتكى الحاخام من الشرقيين بشكل عام، و لم اسد اليه سوى نصيحة واحدة و هي تعلّم لغة اهل البلاد و التعوّد على عاداتهم و تقاليدهم عندما يريد السفر.
و تعرضت انا نفسي للمشاكل على الطريق بين الموصل و نصيبين، فحين عدّ عرب كاسي كوبري الحمولة كلها، بغية أخذ رسوم المرور المعتادة، و قد نظر خدم الشيخ إلى سريري و سرير خادمي، و عند المساء، جاؤوا لأخذها لسيّدهم، و لم اتجرأ على الاعتراض لأنهم قالوا انهم يقومون بذلك بناء على اوامره، و قد رأيت الطريقة التي يعامل بها هؤلاء كبار التجار المسلمين. و قصدت اولا قائد القافلة و اشتكيت له مما حصل. فكلّم الشيخ في الليلة نفسها لكني لم احصل سوى على سريري و مخدتي.
و في اليوم التالي، قصدت الشيخ بنفسي، فسخر هذا الاخير من قلة تهذيبي لأني لم اشأ مقاسمته سريري لبضع ليال، و هو شيخ قبيلة طيّ في حين أنني لست سوى مشرك، و تحت حمايته، أما بالنسبة لخادمي فيمكنه الاستغناء برأيه عن السرير. عندها، ابرزت فرمان السلطان الذي احمله، و أمر باشا بغداد، علّه يظهر بعض الاحترام لأوامر اسياده، مما زاد الامور سوءا و قال لي انه سلطاني و سيدي في الصحراء، و أن اوراقي لا تلزمه مطلقا، فاضطررت إلى العودة كما جئت، و تناقشت مع كبار التجار حول الفرق في طريقة معاملة الغرباء بين اوروبا و بلادهم. و حين وصل جند والي ماردين الذي يدفع له شيخ طيّ ضريبة معينة، استعلمت من الضابط الرئيس اذا ما كان الوالي في محيط نصيبين كما يتردد و يبدو ان حديثي هذا سمح بإعادة كافة اغراضي بعد رحيل الشيخ، و ما كنت لأحصل على الغطاء الذي احضرته معي من الهند من دون ذلك، لأنه اعجب الشيخ.
و بما اننا سنتوقف مطولا في نصيبين بسبب رسوم المرور و الضرائب، قررت زيارة والي ماردين، الذي ضرب خيامه على بعد ميل و نصف من المدينة الاولى. و في حين ان الاعيان في اوروبا يمضون الصيف في منازلهم الريفية، يحلو للشرقيين الاقامة تحت الخيام، و قد رافق الوالي اعيان المنطقة و فرق الخيالة كلها لكثرة الكلأ في المنطقة. لكنه لم ينصب خيامه بعيدا عن مدينته طلبا للمتعة و حسب برأيي، بل لقبض الجزية من العرب و الاكراد و اليزيديين الذين يتجولون في هذه المناطق، و ليبقى قريبا إن هم تخلّفوا عن الدفع. و استقبلت احسن استقبال في المخيم، و كان