التفسیر الصافي ط - لبنان - الفيض الكاشاني، محسن - الصفحة ١٦٦ - بالمدينة وعدد آيها مائة وخمس وستون آية
مسفوحا مصبوبا كالدم في العروق، لا كالكبد والطحال أو المختلط باللحم لا يمكن تخليصه منه. أو لحم خنزير فإنه رجس قذر أو فسقا أهل لغير الله به: سمي ما ذبح على اسم الصنم فسقا لتوغله [١] في الفسق. فمن اضطر: فمن دعته الضرورة إلى تناول شيء من ذلك. غير باغ ولا عاد فإن ربك غفور رحيم: لا يؤاخذه بأكله، وقد مضى تفسير الباغي والعادي في سورة البقرة. فإن قيل: لم خص هذه الأشياء الأربعة هنا بذكر التحريم مع أن غيرها محرم أيضا، فإنه سبحانه ذكر في المائدة تحريم المنخنقة والموقوذة والمتردية وغيرها، وقد ورد الأخبار الصحيحة بتحريم كل ذي مخلب [٢] من الطير، وكل ذي ناب من الوحش، وما لا قشر له من السمك، إلى غير ذلك. قلنا: أما المذكورات في المائدة فكلها يقع عليه اسم الميتة فيكون في حكمها فأجمل هيهنا وفصل هناك، وأما غيرها فليس بهذه المثابة في الحرمة فخص هذه الأشياء بالتحريم تعظيما لحرمتها، وبين تحريم ما عداها رسول الله ٦.
وورد أنه مما يعاف عنه وأما ما قيل إن هذه السورة مكية، والمائدة مدنية فيجوز أن يكون غير ما في هذه الآية من المحرمات إنما حرم فيما بعد فلا تساعده الأخبار الواردة في ذلك عن أهل البيت :. وكذا ما قاله القمي فإنه قال
قد احتج قوم بهذه الآية على أنه ليس شيء محرم إلا هذا وأحلوا كل شيء من البهائم: القردة، والكلاب، والسباع، والذئاب، والأسد، والبغال، والحمير، والدواب، وزعموا أن ذلك كله حلال، وغلطوا في ذلك هذا غلطا بينا، وإنما هذه الاية رد على ما أحلت العرب وحرمت لأن العرب كانت تحلل على نفسها وتحرم أشياء فحكى الله ذلك لنبيه ٦: ما قالوا، فقال: (وقالوا ما في بطون هذه الأنعام خالصة لذكورنا ومحرم على أزواجنا) الاية فكان إذا سقط الجنين أكله الرجال وحرم على النساء، وإذا كان ميتا أكله الرجال والنساء، انتهى كلامه.
[١] أوغل في البلاد والعلم ذهب وبالغ وأبعد كتوغل.
[٢] مخلب الطائر بكسر الميم وفتح اللام بمنزلة الظفر للانسان.
انتهى كلامه وإنما قلنا إن القولين لا يساعده الأخبار لأنها وردت بأن الحرام ليس إلا ما حرم الله وتليت هذه الآية، وذلك حين سألوا عن حرمة غير المذكور فيها من الحيوان. ففي التهذيب، عن الصادق ٧: والعياشي: عن الباقر ٧: إنه سئل عن الجري [١] والمار [٢] ماهي والزمير [٣] وما ليس له قشر من السمك حرام هو فقال لي: يا محمد إقرأ هذه الآية التي في الأنعام: (قل لا أجد فيما أوحي إليّ محرما على طاعم يطعمه) فقال: فقرأتها حتى فرغت منها، فقال: إنما الحرام ما حرم الله ورسوله في كتابه، ولكنهم قد كانوا يعافون عن أشياء فنحن نعافها.
وعن الباقر والعياشي: عن الصادق ٨: إنه سئل عن سباع الطير والوحش حتى ذكر له القنافذ، والوطواط [٤]، والحمير، والبغال، والخيل فقال: ليس الحرام إلا ما حرم الله في كتابه، وقد نهى رسول الله ٦: يوم خيبر عن أكل لحوم الحمير، وإنما نهاهم من أجل ظهورهم أن يفنوها وليست الحمير بحرام، ثم قال: اقرأ هذه الآية: (قل لا أجد) الآية. وعنه ٧: إنه سئل عن الجريث؟ فقال: وما الجريث؟ فنعت له فقال: (لا أجد) الآية ثم قال: لم يحرم الله شيئا من الحيوان في القرآن إلا الخنزير بعينه، ويكره كل شيء من البحر ليس له قشر مثل الورق، وليس بحرام وإنما هو مكروه. وعن أحدهما ٨: إن أكل الغراب ليس بحرام إنما الحرام ما حرم الله في كتابه، ولكن الأنفس تتنزه عن كثير من ذلك تقززا [٥] قال صاحب التهذيب: قوله: (ليس الحرام إلا ما حرم الله في كتابه) المعنى فيه أنه ليس الحرام المخصوص المغلظ الشديد الخطر إلا ما ذكره الله في القرآن وإن كان فيما عداه أيضا محرمات كثيرة إلا أنها دونه في التغليظ.
[١٤٦] وعلى الذين هادوا حرمنا كل ذي ظفر من دابة أو طير. ومن البقر
[١] الجري بالجيم والراء المشددة المكسورة والياء المشددة اخيرا ضرب من السمك عديم الفلس ويقال له الجريث بالثاء.
[٢] المار ماهي بفتح الراء معرب وأصله حية السمك.
[٣] الزمير كسكيت نوع من السمك.
[٤] الوطواط الخطاف وقيل الخفاش والجمع الوطاوط.
[٥] التقزز بالقاف والزائين المعجمتين التباعد عن الدنس والمبالغة في التطهير.