الهداية في الأصول - الصافي الإصفهاني، الشيخ حسن - الصفحة ١٨٧ - فصل في تصوير الواجب التخييري بعد القطع بتحقّقه شرعا وعرفا
القول
أن يكون الواجب مشروطا في كليهما بعدم الإتيان بالآخر، لتزاحم الملاكين،
ويكون من متفرّعات الترتّب، فلا بدّ للقائل من الالتزام بعقابين عند ترك
الجميع، والالتزام بعقابين وإن كان صحيحا في مسألة الترتّب-لأنّه هناك
خطابان غير متزاحمين في الملاك، وإنّما التزاحم يكون في ناحية الخطاب-
لكنّه في المقام غير معقول، حيث إنّ التزاحم إنّما يكون في الملاك لا في
نفس الخطابين، فلا يكون في البين إلاّ ملاك واحد، فتصوير العقابين مشكل، مع
أنّه-قدّس سرّه-لا يقول بالترتّب.
هذا كلّه فيما أفاده صاحب الكفاية-قدّس سرّه-مع ما أوردناه عليه.
بقي وجه آخر قيل لتصوير الوجوب التخييري، وهو أنّه يمكن فرض غرضين قائمين
بالفعلين المخيّر فيهما إلاّ أنّ مصلحة التسهيل والإرفاق أوجبت سقوط
التكليف بتحصيل إحدى المصلحتين عند تحصيل الأخرى.
و فيه: أنّ سقوط أحد الخطابين إمّا أن يكون قبل الإتيان بالآخر أو بعده،
فإن كان قبله، فلا وجه لإتيانه، ويكون نفس الخطاب لغوا وعبثا، وإن كان بعد
الإتيان بالآخر، فلا وجه لإسقاطه، لأنّ مصلحة التسهيل إنّما هي لعنوان
ثانويّ، مثل الضرر والحرج وأمثال ذلك، وأمّا مع عدم أحد هذه العناوين فلا
وجه لها ولا معنى للتسهيل، إذ معنى التكليف هو إيقاع المكلّف في الكلفة،
ولازم ذلك أن تكون مصلحة التسهيل مجوّزة ومقتضية لرفع جميع التكاليف، مضافا
إلى أنّ و ثانيا: لو سلّم الاشتراط وتحقّق التكليفين الفعليّين وكذا
استحقاق العقابين، لا نسلّم استحقاق العقابين هنا، فإنّ استحقاق العقاب
تابع لتفويت الملاك الّذي هو روح الحكم ولبّه، والمفروض هنا هو تفويت ملاك
واحد مقدور، للتضادّ بين الملاكين.
و بعبارة أخرى: إنّه يستحقّ العقاب على تفويت ما هو قادر على تحصيله، وما
هو قادر على تحصيله ملاك واحد، فإنّ الجمع بين الملاكين غير ممكن على
الفرض. (م).