الهداية في الأصول - الصافي الإصفهاني، الشيخ حسن - الصفحة ١٨٦ - فصل في تصوير الواجب التخييري بعد القطع بتحقّقه شرعا وعرفا
بينهما تزاحم خطابيّ فلا بدّ للمولى من الأمر بكليهما.
و ثالثا[١]: أنّ المكلّف لو أتى بكليهما معا، فإمّا أن يقال: إنّه لم
يتحقّق الامتثال ولم يسقط واحد من الأمرين، بل كلاهما باقيان، وذلك خلاف
الوجدان، لأنّه كيف يمكن أن يكون الإتيان بالواحد موجبا لسقوط أمره أمّا لو
انضمّ إليه الآخر لا يسقط أمره!؟و إمّا أن يقال بسقوط أحد الخطابين دون
الآخر، وذلك ترجيح بلا مرجّح، وإمّا أن يقال بسقوط كليهما، ولازمه إيجاب
كلا الأمرين، لما تقدّم في الوجه السابق.
و رابعا[٢]: لو سلّمنا جميع ذلك وأغمضنا النّظر عن كلّها، لكن لازم هذا
[١]أقول: لو قلنا باشتراط أحدهما بعدم الآخر، لكان يلزم ما في المتن
من عدم تحقّق الامتثال عند الإتيان بالأطراف معا، ولكن ليس في كلام صاحب
الكفاية رحمه اللّه من هذا الاشتراط أيّ أثر، بل قال: «كان كلّ واحد واجبا
بنحو من الوجوب يستكشف عنه تبعاته» [كفاية الأصول: ١٧٤]و ليس معنى قوله:
«بنحو من الوجوب»هو الاشتراط المذكور، بل المراد أنّ هذا الوجوب وجوب له
هذه الآثار، فهذا التفسير لكلامه، وإرجاع الوجوب التخييري إلى وجوبات
تعيينيّة مشروطة، تفسير لا يرضاه صاحب الكلام.
و بعبارة أخرى: إنّ قول الشارع: «افعل هذا أو هذا»ليس على نحو المنفصلة
الحقيقية حتى يكون الجامع بين الكلّ في زمان واحد غير ممتثل، بل على نحو
مانعة الخلوّ، فنفس الإتيان بهما معا أيضا من الأبدال، ففي المثال يحصل
الامتثال بإتيان أحدهما وحده وبالجمع بينهما، فالآتي بهما معا آت بأحد
الأبدال. وهذا المقدار كاف في مقام تصوير الواجب التخييري، فإنّ المهمّ هو
إثبات الإمكان دون الوقوع والإثبات.
نعم، هذا التصوير خلاف ظاهر الدليل اللفظي، مثل قوله: «افعل هذا أو هذا»إذا
قلنا: إنّه بنحو المنفصلة الحقيقية، وإلاّ فليس خلافا لظاهر الدليل أيضا.
(م). [٢]استحقاق تعدّد العقاب عند ترك الجميع أيضا مترتّب على
اشتراط كلّ واحد بعدم الآخر، فإنّه يرجع الواجب التخييري-كما مرّ-إلى
الواجب التعييني المشروط بعدد الأطراف. وعند ترك الجميع تركت واجبات
تعيينيّة، فيستحقّ العقابين أو أكثر، ولكن قلنا: إنّ تفسير كلامه بالاشتراط
المذكورة خطأ، هذا أوّلا.