الهداية في الأصول - الصافي الإصفهاني، الشيخ حسن - الصفحة ١٦٨ - الأوّل
ثمّ إنّ
في الشريعة المقدّسة فروعا متّفقا عليها لا يمكن تصحيحها إلاّ على
الترتّب، نظير ما إذا كان أحد في السفر وانتهى إلى بلدة يحرم إقامته فيها
أو يجب السفر عنها عليه فعصى وقصد الإقامة، فلا شبهة ولا خلاف بين الأصحاب:
أنّ وظيفته التمام، وهذا الحكم ممّا لا يصحّ إلاّ بالترتّب، لأنّ وجوب
الصلاة[تماما]يزاحم الأمر بالسفر ووجوبه أو حرمة الإقامة، فلا يمكن الحكم
بوجوب إتمام إلاّ على صحّة الترتّب، وأنّ موضوع الأمر بالتمام هو العاصي
للأمر بالسفر أو النهي عن الإقامة. ونظير هذا كثير في الفقه. بقي
التنبيه على أمرين:
الأوّل:
أنّ الترتّب إنّما يجري في
الواجبين اللذين أخذت القدرة فيهما بحكم العقل، نظير الصلاة والإزالة،
فإنّ القدرة فيهما ليست شرعيّة بل عقليّة، لا فيما أخذت القدرة في موضوعهما
شرعا وقيّد بها في لسان الشرع، كما في باب الوضوء والتيمّم في قوله تعالى:
{ فلمْ تجِدُوا ماءً فتيمّمُوا صعِيداً طيِّباً* } [١]و
ذلك لأنّ المكلّف قسّم بالواجد والفاقد، وحكم بوجوب الوضوء على الواجد
والتيمّم على الفاقد. فلا يصحّ الوضوء من الفاقد، لا من جهة الملاك، لأنّ
التقييد بالوجدان كاشف عن عدم الملاك عند الفقدان، وأنّ الوضوء حكم لواجد
الماء لا لفاقده، ولا من جهة الترتّب، لأنّ موضوع الوضوء هو الواجد شرعا
وموضوع التيمّم هو الفاقد، سواء كان تكوينا أو شرعا، كما إذا كان الماء
موجودا ولكن يتوقّف حفظ نفس محترمة على شرب هذا الماء الموجود، فحينئذ يكون
المكلّف فاقدا للماء شرعا، فإذا عصى ولم يحفظ النّفس المحترمة بإعطاء هذا
الماء إيّاها، فلم يخرج عن عنوان الفاقد،
[١]المائدة: ٦.