الهداية في الأصول - الصافي الإصفهاني، الشيخ حسن - الصفحة ١٦٦ - الإشكال الثاني
هذا
تمام الكلام في تحقيق مقدّمات الترتّب، واقتصرنا بالمقدّمات التي ذكرها
شيخنا الأستاذ، وبما لها ارتباط تامّ بالنتيجة. ولنا طريق آخر إلى إثبات
إمكان الترتّب غير متوقّف على المقدّمات المذكورة، وهو: ما سلكناه في مقام
الجمع بين الحكم الظاهريّ والواقعيّ.
و حاصله: أنّ الحكم-سواء كان عبارة عن البعث والزجر أو اعتبار اللابدّيّة
أو إلقاء المادّة إلى المكلّف أيّا مّا كان-ليس بين الإنشاءين ولا بين
الاعتبارين تضادّ أصلا، بل التضادّ المعروف في الحكمين بل الأحكام بأسرها
إمّا يكون في مبدأ الحكمين أو في منتهاهما.
ففي مثل اجتماع الأمر والنهي إنّما يكون التضادّ في المبدأ، إذ الأمر إنّما
ينشأ عن مصلحة ملزمة في المتعلّق، والنهي ينشأ عن مفسدة ملزمة فيه أيضا،
ولا يمكن للمولى الجمع بينهما، لأنّه لا يمكن أن يتّصف فعل واحد بالمصلحة
الملزمة والمفسدة الملزمة في زمان واحد، وفي مثل وجوب الإزالة والصلاة في
زمان واحد يكون التضاد في المنتهى وفي مقام الامتثال، وذلك لأنّ كلاّ من
الإزالة والصلاة يمكن أن يكون في حدّ نفسه له مصلحة ملزمة، فلا تضادّ بين
الوجوبين في المبدأ ومنشأ الحكمين، وإنّما التضادّ يكون في المنتهى وفي
مقام الامتثال، فإنّ العبد لا يقدر على امتثال كلا الأمرين في زمان واحد،
فطلب الجمع بينهما والأمر بهما معا موجب لتحيّر العبد في مقام الامتثال،
فإنّ العبد -و لو كان في غاية الخضوع والخشوع وفي مقام الإطاعة
والانقياد-لا يقدر على امتثال كلا الأمرين، ويبقى متحيّرا، فلا يمكن جعل
مثل هذا الحكم الموجب للتحيّر.
و أمّا إذا جعل الحكم بنحو لا يكون تضادّ في المبدأ ولا في المنتهى