الهداية في الأصول - الصافي الإصفهاني، الشيخ حسن - الصفحة ١٦٧ - الإشكال الثاني
و لا
يكون موجبا لتحيّر العبد فلا مانع من الجعل، ولذا قلنا في باب الجمع بين
الحكم الظاهريّ والواقعيّ: إنّه لا مانع من كون شيء حراما واقعا ومباحا أو
واجبا ظاهرا حيث لا تضادّ بين الحكمين لا في المبدأ ولا في المنتهى.
أمّا في المبدأ: فلأنّ الحرام الواقعيّ متمحّض في المفسدة الملزمة، والوجوب
أو الإباحة، الظاهريّ مسبّب عن مصلحة الجعل، لا المصلحة الكائنة في نفس
الفعل حتّى يلزم اجتماع المصلحة والمفسدة الملزمتين في الفعل في زمان واحد
الّذي يكون مستحيلا.
و أمّا في المنتهى: فلأنّ الحكم الواقعيّ إذا لم يصل إلى المكلّف، فلا بعث
ولا فعليّة له حتّى يكون مجبورا وملزما على امتثاله، وإن وصل إليه، فلا
موضوع للحكم الظاهريّ أصلا، فلا يجب عليه إلاّ امتثال الحكم الواقعيّ، فلا
يسلب القدرة عنه ولا يبقى متحيّرا في مقام الامتثال. ومسألتنا هذه أيضا
تكون من هذا القبيل، لأنّه لا تضادّ بين منشأ الحكمين ومبدئهما، إذ من
الواضح أنّه لا مانع من وجود المصلحة الملزمة في متعلّق الأمر بالأهمّ
والمهمّ كليهما، وكذا لا تضادّ بين الحكمين في المنتهى وفي مقام الامتثال
إذا كان الأمر بالمهمّ في طول الأمر بالأهمّ وبنحو الترتّب، لا أن يكون
الأمران في عرض واحد، فإنّه إذا اشتغل بالأهمّ، فلا موضوع للمهمّ، وإن عصى،
فهو قادر-حال كونه عاصيا- على امتثال المهمّ، إذ موضوع الأمر بالمهمّ هو
العاصي، فما دام العنوان باقيا فهو مأمور بامتثال أمر المهمّ، فلا يبقى
متحيّرا في مقام الامتثال، لقدرته على امتثال كلا الأمرين كلّ في ظرفه.
فالحقّ الحقيق بالتصديق ما أفاده شيخنا الأستاذ من أنّ تصوّر الترتّب ملازم
مع تصديقه، ولا يحتاج بعد تصوّره إلى مئونة البرهان أصلا.