الأنوار النعمانية - الجزائري، السيد نعمة الله - الصفحة ٢٢٢
الجنس[١] فانّهم حسدوني في كلّ بلاد أتيت اليها حتّى انتهى حالهم معي في شيراز الى ان سرقوا منّي كتبا مليحة بخطّ يدي و قرائتي و حواشي و رموها في البئر حتّى تلفت ثمّ ظهر لي الذي رماها فما كلّمته كلمة واحدة و لا واجهته بشيء حتّى اخلف اللّه تعالى عليّ تلك الكتب و غيرها و لم يملك ذلك الرجل ورقة واحدة و احوجه الى سؤال الكفّار، و انا احمد اللّه سبحانه على انّي لم أر لي محسودا و لا حسدت احدا و ذلك انّ اللّه و له الفضل لم يحوجني الى الأقران و الأمثال و لم يحط مرتبتي عن مراتبهم و هذا من باب اظهار فضل اللّه تعالى و كرمه و الّا فالعبد المذنب الجاني ليس له مرتبة و لا درجة.
الخامس معاشرة الناس و السلوك معهم و ذلك انّ الطبائع مختلفة و الآراء متفرقة و كلّ واحد يريد من الأنسان الذي يكون على طريقتنا موافقته في الطبيعة و هذا في غاية الصعوبة مع انّه يؤدي الى المداهنة و التقرير على المنكر و هما محرّمان اجماعا و مثل هذا ما تيسر لأحد كما روي ان موسى ٧ طلب من اللّه سبحانه ان يرضى عنه عامّة بني اسرائيل حتى لا ينالوا من عرضه و لا يتكلموا في غيبته فقال سبحانه: يا موسى هذه خصلة لم توجد لي فكيف توجد لك و هذا الظاهر فانّ من تامّل و راجع النظر و تصفح احوال الناس يرى شكايتهم من اللّه تعالى اكثر من شكواهم من السلطان الجائر سفاك الدماء و لا ترى احدا الّا و هويّتهم اللّه تعالى في قضائه و قدره و هذا يكون كثيرا في احوال الفقر و المرض و زوال النعم و انتقالات الأحوال.
السادس و هو الداء العضال و الذي نغّص علينا العيش و كدّر الصافي منه مع انه لا يوجد و هو انّه ابتلينا بالتوطن في بلاد ليس فيها مجتهد و لا مفت حتّى نحيل الناس عليه و اذا سألوا منّا ما يحتاجون اليه في امور عباداتهم و معاملاتهم فربّما اشكل الحال و احتاج المقام الى معاونة الآراء.
و ان قلت انّ هذه المسئلة لا تخلو من اشكال لا يقبل منك و يقولون كيف يشكل عليك شيء و انت فلان الذي عندك من الكتب كذا و كذا و قرأت عند فلان و فلان و هو المطلع على الأسرار و الضمائر انّي انزوي عن الناس في اكثر الأوقات و اغلق الباب بيني و بينهم لهذا و امثاله و الهمّ
[١] العلماء صنفان علماء الدنيا و علماء الاخرة و المراد من الصنف الاول من كان غرضه من العلم هو الدنيا و هدفه من تحصيله الشهرة و الرياسة و حب الجاه و طلب الوقع في قلوب الناس و ابتغاء اقبالهم اليه.
و المراد من الصنف الثاني هو العارفون باللّه تعالى و بصفاته و ملائكته و رسله و كتبه و اليوم الاخر و الراغبون في الاخرة و المعرضون عن الدنيا و الزاهدون فيهما و العاملون بمقتضى عملهم و تعبير اوجز بهم: ان وصفتهم العلم و العمل. و قد تجدهم الشهرة و الرياسة و المرجعية قهرا مع فرارهم عنها فرار الغنم من الذئب و لا يحومون حول الاسباب المفضية اليها اصلا.