الأنوار النعمانية - الجزائري، السيد نعمة الله - الصفحة ١٦٢
في الأصول الأربعة و غيرها عن الأمام ابي عبد اللّه جعفر بن محمّد الصادق عليهما السّلام انه قال: لا يسأل في القبر الّا من محضّ الأيمان محضا و الكفر محضا، و امّا ما سوى ذلك فملهو عنهم الى يوم القيامة؟.
قلت امّا شيخنا الشهيد تغمده اللّه برحمته فقال: انّ هذا الخبر و هو لا يسأل في القبر الّا من محض الأيمان او من محض الكفر، على سؤال خاص ليوافق الأخبار العامّة في سؤال القبر، و تفصيله انّه قال مولانا الصادق ٧ يسأل الميت في قبره عن خمس: عن صلاته و زكاته و حجّه و صيامه و ولايته ايّانا أهل البيت، فتقول الولاية من جانب القبر للأربع ما دخل فيكن من نقص فعليّ تمامه، و حينئذ فلعل الملهوّ عنه السؤال عن تفاصيل الصلاة و الزكاة و نحوها فان كثيرا من المستضعفين من النساء و الكهول و من كان في أطراف البلاد و أهل الصحاري و بعض أهل القرى الذين بعدوا عن ديار العلم و لم يوجد بينهم عالم و لا فقيه و لم يعرفوا تفاصيل هذه الواجبات و لا تحقّقوا وجوب السؤال عليهم و لا وجوب المهاجرة الى ديار العلم، بل تحقّقوا أنّ الواجب عليهم انّما هو هذا الذي يأتون به من الواجبات من صلاة و صيام، بل و بعض ساكني الأمصار حالهم ايضا مثل هذا، و حينئذ فلعلّ السؤال الملهو عنه الى يوم القيامة هو هذا السؤال لا السؤال عن الرب و النبي و الأمام و نحو ذلك من البديهيّات الّتي ملأت الأسماع و الأقطار.
و امّا شيخنا الكليني قدس ضريحه فقال في الكافي باب المسئلة في القبر و من يسأل و من لا يسأل ثمّ شؤرع في نقل هذه الأخبار فظاهره العمل بظاهرها، و كذلك شيخنا الصدوق ره فانّه نقل الخبر من غير تعرّض لتأويله، و هو قد ذكر في أوائل كتابه ان كلّ ما يذكره فيه فهو حجّة بينه و بين ربّه، و ظاهر شيخنا البهائي ره أنّه جنح اليه ايضا.
اقول و يمكن ان يراد بالملهو عنهم الذين وردت الأخبار في شأنهم و أنّهم يكلّفون يوم القيامة بأن تؤجج لهم نار نار فيؤمروا بالدّخول فيها مثل البله و المجانين، و من كان في فترات الأنبياء و الشيخ الفاني و العجوز الفانية و نحوهم ممّا سيأتي ذكرهم ان شاء اللّه تعالى و هؤلاء لم يمحضوا الأيمان و هو ظاهر و لم يمحضوا الكفر ايضا لمقصورهم عن ورود المورودين فيبقون على حالتهم في قبورهم حتّى يمنحهم اللّه سبحانه في القيامة قوة إدر التكاليف و العقل القابل له.
الأمر الخامس في بيان الأمور النافعة للميت في أحوال البرزخ، فمنها ذكر من بقي بعده من ارحامه و اخوان دينه له بشيء من أنواع البر و الصدقة و صلاة و تلاوة قرآن و حجّ و نحو ذلك، فقد ورد في الخبر انّ الميت قد يكون في ضيق من العذاب فيهدي اليه واحد من أخوانه شيئا من البرّ فيدخل عليه ملك في قبره بطبق من نور فيقول هذه هديّة من فلان اليك فيوسع عليه و يرفع عنه العذاب، و من هذا ورد انّه قد يكتب البار بوالديه في حياتهما عاقّا لهما بعد موتهما، اذا لم يذكرهما بشيء من أفعال البر و كذا العكس.