الأنوار النعمانية - الجزائري، السيد نعمة الله - الصفحة ١٥٩
نار لو أراد الجنّ و الأنس ان يحرّكوا طرفه لما قدروا عليه، و الى هذا ذهب جماعة من الأصحاب و لعلّه الأقوى، و ما في ظاهر الدعوات يحمل عليه ايضا و ليس هو بحمل بعيد، و امّا انّ منكرا و نكيرا هل هما شخصان او نوعان فذاك خلاف آخر و ان كان الظاهر من الأخبار هو الأول.
الأمر الثاني في تجسّم الأعمال في البرزخ و القيامة بأن يكون هذه الأعراض المعنوية في هذه النّشأة الدنيّة تكون اجساما بعد الموت و الأخبار متظافرة في الدّلالة على هذا كما انّ الصلاة تأتي الى الميّت في قبره بصورة شابّ حسن الوجه و الثياب و كذلك الزكاة و البر وصلة الأرحام فيؤنسانه في قبره، و كذلك إدخال السرور على المؤمن و قضاء حوائجه و نحو ذلك.
روى اصحابنا رضوان اللّه عليهم عن قيس بن عاصم قال: وفدت مع جماعة من بني تميم على النبي ٦ فدخلت عليه و عنده الصّلصال بن الدّلهمس، فقلت: يا نبي اللّه عظنا موعظة ننتفع بها فانّا قوم تعبر في البرية، فقال رسول اللّه ٦: يا قيس انّ مع العز ذلا و ان مع الحياة موتا، و ان مع الدنيا آخرة، و ان لكلّ شيء رقيبا، و على كل شيء حسيبا، و ان لكل اجل كتاب، و انه لا بد لك يا قيس من قرين يدفن معك و هو حي تدفن معه و انت ميت، فان كان كريما اكرمك و ان كان لئيما اسئمك ثمّ لا يحشر الا معك و لا تحشر الا معه و لا تسأل الا عنه، فلا تجعله الّا صالحا فانه ان صلح آنست به و ان فسد لا تستوحش الا منه و هو فعلك.
فقال: يا نبي اللّه أحب ان يكون هذا الكلام في ابيات من الشعر نفتخر به على من يلينا من العرب و ندّخره، فأمر النبي ٦ من يأتيه بحسّان، فأستبان لي القول قبل مجيء حسّان، فقلت:
يا رسول اللّه قد حضرني ابيات أحسبها توافق ما تريد فقلت:
|
تخيّر خليطا من فعالك انّما |
قرين الفتى في القبر ما كان يفعل |
|
|
و لا بد بعد الموت من ان تعده |
ليوم ينادي المرء فيه فيقبل |
|
|
فان تك مشغولا بشيء فلا تكن |
بغير الذي يرضى به اللّه تشتغل |
|
|
فلن يصحب الأنسان من بعد موته |
و من قبله الّا الذي كان يعمل |
|
و ذهب بعض المحدثين من المعاصرين و غيرهم الى انّ الأعراض لا يعقل تجسمها فيكون مثال الصلاة و الصوم و الزكاة و نحوها معناه انّ اللّه سبحانه يخلق للمؤمن في قبره جزاء الصلاة مثالا نورانيا يأنس به المؤمن في البرزخ و القيامة، و كذا يخلق له جزاء الزّنا حيّة و عقربا، لان الزنا يتصور حيّة على هذا القياس أعمال الخير و الشر أقول هذا تأويل للأخبار من غير علة محوجة اليه، و ذلك لأنّ تلك النشأة لا يدركها العقل و هي أمر وراء طول العقل.