الأنوار النعمانية - الجزائري، السيد نعمة الله - الصفحة ١١٠
و أتى رجل الى الوزير الأعظم الّذي ترجع اليه أمور القضاة و هو الّذي يعزل و ينصب لكن بالرشاوي و البرطيل فعمد الرجل الى دبة كبيرة و ملأها من التراب و الحجارة و الجصّ و النورة و وضع في رأسها قليلا من الدهن و أتى بها الى الوزير فلمّا رآها كتب له سجلا محكما على القضاء فأخذه و مضى الى بلاده فلمّا ارادوا ان يخرجوا من الدهن اطّلعوا على ما في الدبة من المكر و الحيلة، فأرسلوا و أخبروا الوزير فأرسل الوزير الى القاضي انّ ذلك السجل الّذي كتبناه لك فيه بعض الخلل و الغلط ارسله الينا لنصلحه و نرسله اليك، فكتب اليه القاضي اعزّ اللّه مولانا الوزير عن حال السجل الّذي امرتم لنا به و لا رأينا فيه خللا و لا غلطا و لكن ان كان شيء فالخلل و الغلط انّما وقع في الدبة فضحك الوزير و خلّاه.
و قد أعطى قضاة بعض البلدان لرجل و كان ذلك الوزير رحمة اللّه كلّ رجل أعطاه رشوة اكثر من القاضي الآخر عزل من أعطى القليل فأتى اليه ذلك الرجل لمّا كتب له كتابة على القضاء فقال: أعزّ اللّه الوزير انّي اكتريت دابة الى بلادي فاستكيرها راسا او راسين فضحك الوزير و عرف ما أراد.
و قد أراد السلطان المرحوم الشاه عبّاس الأول ان يعرض بعساكره فيراها فلمّا عرض بهم رأى بينهم ولدا جميلا حسن الصورة و اللباس و المركوب و السلاح فسأله مقرّره من دفتر السلطان فذكر شيئا قليلا فقال له الشاه: انّ وظيفتك هذه لا يفي بزيّك هذا و هيئتك هذه فلعلّك تمضي بالليل و تؤجر نفسك لمن يعمل بك فقال له ذلك الولد اعز اللّه السلطان انّ عبيده الأتراك قد أرخصوا هذه التجارة بكثرتهم حتّى انّهم لم يبقوا لأحد سببا فيها فضحك السلطان و أمر له بعطايا جزيلة.
و كان هذا السلطان رحمه اللّه يخرج في الليل بزي الفقراء يدور في بلده لينظر الظالم من المظلوم و يتصفّح احوال الناس فأتى ليلة الى بقّال فقال: ايّها البقّال انا رجل فقير و ليس عندي الّا نصف فلس و أريد هذه الليلة لا أنام فأعطني بهذا النصف شمعة تشتعل الى الصباح فقال: الشمعة لا يكون هذا حالها و لكن أبيعك رأسا من الثوم كبيرا تضعه في دبرك فانّه يشتعل به الى الصباح و لا تقدر ان تنام فضحك و مضى عنه و لمّا أصبح الصباح و جلس على سرير الملك ارسل الى ذلك البقّال فلمّا دخل عليه و تعارفا خاف البقّال منه فأمّنه و أعطاه.
و قد أتى رجل بدوي الى بعض البلدان فاضافه صديق له و قدّم اليه فاوزج فلمّا شرب منها جرعة و رأى لطافتها وضع يده على دبره فقيل له في ذلك فقال: لئلا تخرج من هناك سريعا لنعومتها فقال له صديقه تعرف اسم هذه فقال له البدويّ نحن نقول في صلاتنا اهدنا الصراط المستقيم و اظنّ، هذا هو الصراط المستقيم فقال له: نعم هذا هو. و قدم اعرابي الى البلاد فقدّم اليه