الأنوار النعمانية - الجزائري، السيد نعمة الله - الصفحة ١٢٩
منصتا لهما حتى يسمع منهما ثم يجيب ما يريد فترجم عنه اللسان بأدوات كثيرة منها ريح الفؤاد و بخار المعدة و معونة الشفتين و ليس للشفتين قوة الا بالأسنان و ليس يستغنى بعضهما عن بعض و الكلام لا يحسن الا بترجيعه بالأنف لأن الأنف يزيّن الكلام كما يزين النفخ المزمار و كذلك المنخران هما ثقبتا الأنف يدخلان على الملك ما يحب من الريح الطيبة، فاذا جاءت ريح تسوء على الملك اوحى الى اليدين فحجبا بين الملك و تلك الريح و للملك مع هذا ثواب و عقاب، فعذابه اشد من عذاب الملوك الظاهرة القاهرة في الدنيا و ثوابه افضل من ثوابهم فاما عذابه فالحزن و اما ثوابه فالفرح و اصل الحزن في الطحال و اصل الفرح في الثرب[١] الكليين و لهما عرقان موصلان الى الوجه، فمن هناك يظهر الحزن و الفرح فترى علامتيهما في الوجه و هذه العروق كلها طرق من العمال الى الملك و من الملك الى العمال و مصداق ذلك انه اذا تناولت الدواء ادنه العروق الى موضع الداء بإعانتها،
و أعلم يا أمير المؤمنين ان الجسد بمنزلة الأرض الطيبة متى تعوهدت بالعمارة و السقي من حيث لا يزاد في الماء فيغرق و لا ينقص منه فيعطش دامت عمارتها و كثر ريعها و زكّى و نما زرعها، و ان تغوفل منه فسدت و لم ينبت فيها العشب، فالجسد بهذه المنزلة و بالتدبير بالأغذية و الأشربة يصلح و يصح و تزكو العافية فانظر يا أمير المؤمنين ما يوافقك و يوافق معدتك و يقوى عليه بدنك و يستمرئه من الطعام فقدره لنفسك و اجعله غذائك.
و أعلم يا أمير المؤمنين ان كل واحدة من هذه الطبائع تحب ما يشاكلها فأعتد ما يشاكل جسدك. و من أخذ الطعام زيادة لم يغذه و من اخذه بقدر لا زيادة و لا نقص عليه نفعه و كذلفك الماء سبيله ان تأخذ من الطعام كفايته في ابّاه و وقته و ادفع يديك منه و عندك اليه ميل فانّه اصلح لمعدتك و بدنك و أزكى لعقلك، و اخفّ على جسمك يا أمير المؤمنين كل البارد في الصيف و الحار في الشتاء و المعتدل في الفصلين على قدر قوتك و شهوتك، و ابدء في أوّل الطعام بأخفّ الأغذية الّتي تتغذى بها بقدر عادتك و بحسب طاقتك و نشاطك و زمانك الذي يجب ان يكون في كلّ يوم عند ما يمضي من النهار ثمان ساعات أكلة واحدة او ثلاث اكلات في يومين تتغذى باكرا في اوّل يوم تتعشى، فاذا كان في اليوم الثاني فعند ما مضى ثمان ساعات من النهار أكلت أكلة واحدة و لم تحتج الى العشاء كذا أمر جدي محمد المصطفى ٦ و علي صلوات اللّه عليه في كلّ يوم وجبة و في غده وجبتين و ليكن ذلك بقدر لا يزيد و لا ينقص، و ارفع يدك من الطعام و انت تشبهه و ليكن شرابك على اثر طعامك من هذا الشراب الصافي العتيق الّذي يحل شربه و انا أصفه فيما بعد و نذكر الآن
[١] الثرب على وزن فلس شحم رقيق على الكرش و الامعاء.