الأنوار النعمانية - الجزائري، السيد نعمة الله - الصفحة ٣٨
المؤمن قد يرى الرؤيا فيكون كما رآها، و ربّما راى الرؤيا فلا يكون شيئا؟ فقال انّ المؤمن اذا نام خرجت من روحه حركة ممدودة صاعدة الى السماء فكل ما رآه روح المؤمن في ملكوت السماء في موضع التقدير و التدبير فهو الحقّ و كلّ ما رآه في الأرض فهو أضغاث أحلام، فقلت له و تصعد روح المؤمن الى السماء؟ قال نعم، قلت حتّى لا يبقى منها شيء في بدنه؟ فقال لا لو خرجت كلّها حتّى لا يبقى منها شيء اذا لمات فقلت فكيف تخرج؟ فقال أما ترى الشمس في السماء في موضعها وضوئها و شعاعها في الأرض فكذلك الروح أصلها في البدن و حركتها ممدودة.
و روى أيضا بأسناده الى معاوية بن عمّار عن ابي جعفر ٧ انّ العباد اذا نامو خرجت أرواحهم الى السماء فما رأت الروح في السماء فهو الحقّ و ما رأت في الهوى فهو الأضغاث (أضغاث أحلام) ألا أنّ الأرواح جنود مجنّدة فما تعارفت في الأرض و اذا تباغضت في السماء تباغضت في الأرض.
و روى أيضا بأسناده الى علي ٧ قال سئلت رسول اللّه ٦ عن الرجل ينام فيرى الرؤيا فربّما كانت حقّا و ربّما كانت باطلا فقال رسول اللّه ٦ يا علي ما من عبد ينام الّا عرج بروحه الى ربّ العالمين فما رأى عند رب العالمين فهو حقّ ثمّ اذا أمر اللّه العزيز الجبّار بردّ روحه الى جسده فصارت الروح بين السماء و الأرض فما رأته فهو أضغاث أحلام.
فهذه الأخبار تدل على انّ للروح عروجا الى الملكوت في عالم المنام، و فيه دلالة على ما قدمنا في نور الأرواح من أنّها ليست بمجرّدة بل هي أجسام لطيفة شفّافة قد تتّصف بأوصاف الجسمانيات و الذين قالوا بتجرّدها من الأصحاب ذهبوا الى أنّها تدخل في قالب مثالي مثل هذا القالب الّا انّه ألطف منه فتصعد و تنزل به و هذا هو البدن الذي تستقرّ به الروح بعد الموت و بعد خراب هذا البدن، بل ذهب شيخنا المعاصر سلّمه اللّه تعالى الى جواز تعدّده و حمل عليه ما روى مستفيضا في الأخبار من حضور مولانا أمير المؤمنين ٧ عند الأموات و قد يموت في اللحظة الواحدة آلاف من الناس في مشارق الأرض و مغربها، فكيف يمكن حضوره عندهم مع البدن الواحد، و كذلك ما روى من انّ أربعين صحابيّا طلبوه الى الضيافة في ليلة واحدة في وقت واحد و لمّا أصبحوا قال كلّ واحد منهم انّ عليّا كان ضيفي البارحة و امّا نحن فقد أوّلنا هذه الأخبار تأويلا آخر و قد تقدّم.
و بالجملة فالروح اذا صعدت الى عالم الملكوت و طالعت الألواح السماوية و الدفاتر الألهيّة فان كانت لتلك الأرواح صفاء بالتنزّه عن شواغل البدن و علايقه و ان الأشياء كما هي فلا يحتاج تلك الرؤيا الى تعبير المعبّرين، و ان كانت مكدّرة بالعلائق و العوائق رأت الأشياء بصورة شبيهة بصورتها كما أنّ ضعيف البصر و مؤف العين يرى الأشياء على غير ما هي عليه، و العارف بعلّته