الأنوار النعمانية - الجزائري، السيد نعمة الله - الصفحة ٢٣
ينبغي لموسى ٧ ان لا يطيل الكلام بل يختصر و يشسكت، ليفوز بسماع الكلام مرّة أخرى فانّه أعظم اللّذتين، و الجواب أنّ تكليم موسى للحقّ سبحانه في ذلك الوقت ليس من قبيل التكليم الميسر في كلّ وقت، لأنّه جواب عن سؤاله تعالى و مكالمة له سبحانه كما يتكلّم جليس الملك الملك، و فرق بين تكليم الجليس للملك و بين سماع الملك كلام شخص محجوب عن بساط القرب يصيح خارج الباب، و هذا هو الميسّر لكلّ أحد، على أنّ موسى ٧ لم يكن على يقين من أنّه ان أختصر و سكت فاز بالمخاطبة مرة أخرى، أ لا نرى كيف أجمل في قوله: و لي فيها مآرب أخرى، رجاء أن يسأل من تلك المآرب فيبسط الكلام مرّة أخرى
و قال شيخنا البهائي ره لا يبعد أن يكون ٧ قد فهم أنّ سؤال الحقّ تعالى له انّما هو لمحض رفع الدهشة عنه، فأخذ يجري في كلامه مظهرا ارتفاع الدهشة، و انّ السؤال انّما هو لتقريره على أنّها كمن يريد تعجيب الحاضرين من قلب النحاس ذهبا فيقول ما هذا؟ فيقولون نحاس فيخرجه لهم ذهبا، فأخذ موسى ٧ في ذكر خواص العصا تأكيدا للإقرار بانّها عصا، فيكون بسط الكلام هذا أيضا للإستلذاذ وحده كما هو مشهور. دخل مامة دار المأمون و فيها روح بن عبادة، فقال له روح: المعتزلة حمقى، و ذلك أنّهم يزعمون انّ التوبة بأيديهم و انّهم يقدرون عليها متى شاؤا و هم مع ذلك دائما يسألون اللّه تعالى ان يتوب عليهم، فما معنى مسألتهم ايّاه ما هو بأيديهم؟ و الأمر فيه اليهم لو لا الحمق؟ فقال تمامة أ لست تزعم أنّ التوبة من اللّه و هو يطلبها من العباد ليس بأيديهم و لا يجدون اليه سبيلا؟ فأجاب حتّى أجيب و في التواريخ أنّ معن بن زائدة كان يتصيّد، فعطش و لم يكن في تلك الحال مع غلمانه ماء، فبينما هو كذلك اذ مر به جاريتان من حيّ هناك، في جيد كلّ واحدة قربة من الماء فشرب منهما، و قال لغلمانه هل معكم شيء من نفقتنا؟ فقالوا ليس معنا شيء، فدفع الى كلّ من الجاريتين عشرة من سهامه و كان نصالها من ذهب، فقالت أحديهما للأخرى ويحك ما هذه الشمائل الّا لمعن بن زائدة، فليقل كلّ منّا في ذلك شيئا، فقالت أحديهما:
|
يركبّ في السهام نصال تبر |
و يرميها العدى كرما وجودا |
|
|
فللمرضى علاج من جراح |
و أكفان لمن سكن اللّحودا |
|
و قالت الأخرى:
|
و محارب من فرط جود بنائه |
عمّت مكارمه الأقارب و العدى |
|
|
صنعت نصال سهامه من عسجد |
كي لا يعوّقه القتال عن الندى |
|