الأنوار النعمانية - الجزائري، السيد نعمة الله - الصفحة ١٤٦
فقال له آدم: يا ملك الموت انّه قد بقي من عمري ثلاثون سنة، فقال له ملك الموت: يا آدم أ لم تجعلها لإبنك داود النبي و طرحتها من عمرك حين عرض عليك اسماء الأنبياء من ذرّيّتك و عرضت عليه اعمارهم و انت يومئذ بوادي الدّخنا؟ قال: فقال له آدم ما أذكر هذا، قال: فقال له ملك الموت يا آدم لا تجحد أ لم تسأل اللّه عز و جل ان يثبتها لداود و يمحوها من عمرك؟ فأثبتها لداود في الزبور و محاها من عمرك في الذكر، قال آدم: لم أذكر حتّى أعلم ذلك، قال ابو جعفر ٧: و كان آدم صادقا لم يذكر و لم يجحد، فمن ذلك اليوم أمر اللّه تبارك و تعالى العباد ان يكتبوا بينهم اذا تداينوا و تعاملوا الى أجل مسمّى لنسيان آدم و جحوده ما جعل على نفسه، أقول لو كان آدم ٧ ممن يحب الموت لما قدم على هذه السؤالات و تفحّص عن هذه الأمور.
و امّا ادريس النبي ٧ فروى الشيخ الراوندي في كتاب القصص انّ ادريس النبي ٧ كان يسبّح النهار و يصومه و يبيت حيث ما جنّه الليل، و يأتيه رزقه حيث ما أفطر، و كان يصعد له من العمل الصالح مثل ما صعد لأهل الأرض كلهم، فسئل ملك الموت ربّه في زيارة ادريس و ان يسلّم عليه، فاذن له فنزل و أتاه فقال: انّي أريد ان أصحبك فأكون معك، فصحبه و كان يسبّحان النهار و يصومانه فاذا جنّهما الليل أتى أدريس فطره فيأكل و يدعو ملك الموت اليه فيقول لا حاجة لي فيه، ثمّ يقومان يصلّيان و ادريس يصلي و يفطر و ينام و ملك الموت يصلي و لا ينام و لا يفطر فمكثا بذلك ايّاما ثم انهما مرّا بقطيع غنم و كرم قد اينع، فقال ملك الموت هل لك ان تأخذ من ذلك حملا او من هذا عناقيد فتفطر عليه، فقال: أعودك الى مالي فتابى فكيف تدعوني الى مال الغير، ثمّ قال ادريس صلوات اللّه عليه قد صحبتني و احسنت فيما بيني و بينك من انت؟ قال: انا ملك الموت قال ادريس لي اليك حاجة، قال: و ما هي؟ قال: تصعد بي الى السماء فاستأذن ملك الموت ربه في ذلك فأذن له فحمله على جناحه فصعد به الى السماء:
ثم قال له ادريس ٧: ان لي حاجة اخرى، قال: و ما هي؟ قال: بلغني من الموت شدة فأحب ان تذيقني منه طرفا فأنظر هو كما بلغني، فاستأذن ربه فأذن له فأخذ بنفسه ساعة ثم خلى عنه، فقال له كيف رأيت؟ فقال: بلغني عنه شدّة فانه لأشد ممّا بلغني و لي اليك حاجة اخرى تريني النار، فاستأذن ملك الموت صاحب النار ففتح له، فلما رآها ادريس ٧ سقط مغشيا عليه، ثم قال: لي اليك حاجة اخرى تريني الجنة، فاستأذن ملك الموت خازن الجنة فدخلها فلما نظر اليها قال: يا ملك الموت ما كنت لأخرج منها انّ اللّه تعالى قال كُلُّ نَفْسٍ ذائِقَةُ الْمَوْتِ* و قد ذقته و يقول وَ إِنْ مِنْكُمْ إِلَّا وارِدُها و قد وردتها، و يقول في الجنة و ما هم بخارجين منها، فانظر الى ادريس النبي ٧ كيف احتال على رفع الموت عنه، و ما ذلك الّا لكراهته له و سماعه بشدّته و مرارته.