الأنوار النعمانية - الجزائري، السيد نعمة الله - الصفحة ١٤٣
و من الأمور ايضا انّي لمّا كنت أسفر في البحار لطلب العلوم حكى لنا صاحب سفينة أنّه قد كان في يوم من الأيام كثير الهوى و الموج جلس رجل من اهل السفينة على حافتها لقضاء الحاجة، فاتّفق انّه سقط في البحر فغطاه الماء، فأتى اليه واحد من اهل السفينة و مد يده في الموضع الذي سقط فيه فاستخرجه من تحت الماء فدثروه بلحاف و بقي ساعات، فلما رفعوا الغطاء عنه و شرع في الكلام فاذا هو غير صاحبهم الذي وقع، فسألوه عن قصّته، فقال: انّه قد كسر بنا السفينة منذ سبعة ايام و قد كنت لي لوحة أسبح عليها و قد ضعفت عن امساكها هذا اليوم، فذهب عني فبقيت على وجه الماء ساعة و غشي عليّ و ما شعرت لنفسي الّا و أنا عندكم في هذا المركب، فذهب صاحبهم فانظر الى هذا التقدير كيف يمكن الكلام فيه.
و ذكر اليافعي في تاريخه في حوادث سنة و خمسمائة انّ بعض الملوك قال له منجّموه انّه يموت في الساعة الفلانية من عقرب تلدغه، فلمّا كان قبل الساعة المذكورة تجرد عن جميع لباسه سوى ما يستر عورته و ركب فرسا بعد ان غسله و نظّفه و دخل به البحر حذرا مما قيل، فبينما هو كذلك اذ عطست فرسه فخرجت من انفها عقرب فلدغته فمات منها، فما أغناه الحذر من القدر.
و روى ذا النون المصري خرج ذات يوم يريد غسل ثيابه فاذا هو بعقرب قد أقبل اليه كأعظم ما يكون، قال: ففزع منها فزعا شديدا و أستعاذ باللّه منها فكفي شرّها، فأقبلت حتى وافت شط النيل فاذا هي بضفدع قد خرج من الماء، فاحتملها على ظهره و خرج بها الى الجانب الآخر، قال ذو النون: فعبرت خلفه فأتت الى شجرة كثيرة الظل فاذا غلام أمرد نائم تحتها و هو مخمور، فقلت: انّها أتت لقتل هذا الفتى فاذا انا بأفعى أتت لقتل الفتى، فظفرت العقرب بالأفعى و لزمت دماغ الأفعى حتى قتلها و رجعت الى الماء و عبرت على ظهر الضفدع الى الجانب الآخر، فأنشد ذو النون:
|
يا راقد و الجليل يحفظه |
من كل سوء يكون في الظلم |
|
|
كيف تنام العيون عن ملك |
تأتيك منه فوائد النعم |
|
قال: فانتبه الفتى من كلام ذى النون فأخبره الخبر فنزع ثياب اللّهو و لبس اثواب السياحة و ساح و مات على تلك الحالة، و امثال هذه الحكايات كثير، نعم يبقى الكلام في فائدة لوح المحو و الأثبات و تغيير الكائنات و صفاتها فيه مع وجود لوح المحفوظ، و عدم اطلاعنا على العلة لا يقتضي نفيها، و التّفحّص عنها غير محتاج اليه بل انما نحتاج في هذا المقام الى التسليم و الأذعان لا غير، اذا عرفت هذا فلنشرع الآن في بيان الموت.