دروس في القواعد التفسيرية - السيفي المازندراني، الشيخ علي أكبر - الصفحة ٨٠ - حاصل كلام العلّامة الطباطبائي في حقيقة التأويل
معنى التأويل على أربعة أقوال: ما يخالف ظواهر عمومات الآيات و مطلقاتها. و قد اتفق الاصوليون و الفقهاء من أصحابنا الامامية على جواز تخصيص الكتاب و تقييده بنصوص أهل البيت عليهم السلام.
و من هذا القبيل آية التقصير الظاهرة في جواز القصر بدلالة تعبير «لاجناح»؛ حيث وردت النصوص في تفسيرها بوجوب القصر في السفر، و تسالم على ذلك فقهاؤنا.
و حاصل الكلام: أنّ فقهاءَ الامامية لا يزالون يأخذون بالنص المعتبر الوارد عن أهل البيت عليهم السلام بخبر الثقة، و تأويل الآيات الظاهرةبه، و رفع اليد عن ظاهرها بدليل خبر الثقة، إذا كان تامّ السند و الدلالة. و ذلك و إن ليس من قبيل التفسير، بل من باب التأويل، إلّاأنّه لا فرق بينهما من حيث حجية النصوص المفسّرة و وجوب تحكيمها، و لا فرق في ذلك بين آيات الأحكام الفقهية و بين غير من الآيات الإعتقادية و الاخلاقية و ساير المعارف الإلهيّة. و لا بين خبر الواحد و المتواتر.
و أما القول بانصراف أدلّة حجية خبر الثقة إلى الأحكام الفقهية؛ بدعوى عدم كون غير آيات الأحكام واجب العمل، بل عدم وجوب الإعتقاد بالعقائد الاصولية غير الضرورية، فممّا لا أساس له.
و ذلك أوّلًا: لإطلاق أدلّة حجية خبر الثقة و عدم ثبوت المقيد و المخصص بدليل، و إلى سعة نطاق السيرة العقلائية في العمل بخبر الثقة و شمولها لغير العقليات و غير الامور الخطيرة المهمة، من الامور العادية غير العقلية.
و ثانياً: لأنّ نفس الاسناد إلى اللَّه- في إسناد أي حكم شرعي أو أصل من الاصول الإعتقادية التوقيفيّة أو الاصول الاخلاقية و ساير المعارف إلى اللَّه- بحاجة إلى حجّة شرعية، و إلّايدخل في الافتراء على اللَّه بدلالة قوله تعالى: «قُلْ آللَّهُ أَذِنَ لَكُمْ أَمْ عَلَى اللَّهِ تَفْتَرُونَ»؛ لما جاءَ فيه من التفصيل القاطع للشركة و النافي للواسطة بين الاذن و الافتراء.
و حينئذٍ فنقول: إنّ إطلاق أدلّة حجية خبر الثقة دلت على مشروعية إسناد أيّ أصل اعتقادي أو أخلاقي توقيفي إلى اللَّه مستنداً إلى خبر الثقة. و لا فرق في ذلك بين ابتناء حجيته على إطلاق الروايات الدالّة على اعتباره، و بين ابتناء حجيته على بناءِ العقلاء و ذلك لأنّ العقلاء لا يُفرّقون في ترتيب الأثر على خبر الثقة و العمل به بين الإعتقاديات و بين ساير شؤونهم.
و السرّ في ذلك أنّ الذي يخبر عنه الثقة- على أيّ حال- إنّما هو محسوسة إما بالسماع أو بالمشاهدة برأي العين.
فلا وجه للفرق بين أقسام المخبر عنه من حيث المضمون و المحتوى.
نعم لو كان المخبر عنه من الامور المهمّة الخطيرة الحياتية التي جرت العادة على حصول التواتر فيه و عم ترتيب الأثر فيه بغير المحسوس أو الخبر المتواتر، لايمكن إثبات اعتبار خبر الثقة في مثله بالسيرة العقلائية؛ نظراً إلى عدم جريانها فيه. و من الواضح أنّ كثيراً من المسائل الإعتقادية و التفسيرية و التاريخية ليس من هذا القبيل.
١- تفسير خصوص الآيات المتشابهة التي لا يعمله إلّااللَّه و الراسخون في العلم، كما اشير إليه في قوله: «وَ ما يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ وَ الرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ»[١] و هذا القول كان شايعاً بين قدماء المفسرين.
٢- تبيين المعنى المخالف لظاهر لفظ الآية الذي هو المراد واقعاً، و إن شئت فقل: كشف المعنى المقصود المخالف لظاهر الآية. و هذا القول شايع بين المتأخرين من المفسرين. و الفرق بين هذا القول و ما قبله إنّ الآيات المتشابهة لا ظهور لها حتى يكون التأويل- بناءً على التوجيه الأوّل- مخالفاً لظاهر الآية. بل القول الأوّل يفترق بذلك عن جميع الأقوال الثلاثة الباقية.
٣- تبيين معنى من معاني الآية غير مخالف لظاهر الآية، ولكن لايفهمه عموم المخاطبين، فليس من المداليل المطابقية و التضمّنية و الالتزامية؛ لأنّها كلّها من قبيل تحت اللفظ و تناله جميع الأفهام، بل بعيدٌ عن المعنى المرتكز في
[١] - آل عمران: ٧.