دروس في القواعد التفسيرية - السيفي المازندراني، الشيخ علي أكبر - الصفحة ٧٨ - حاصل كلام العلّامة الطباطبائي في حقيقة التأويل
الآيات و الروايات المفسّرة.
و أما التأويل، فقد سبق الكلام في الحلقة الاولى في تحقيق معناه. و حاصله: أنّ لفظ «التأويل» في أصل اللغة من «الأوْل»- بسكون اللام-؛ أي الرجوع إلى الأصل.
و في الاصطلاح معناه إرجاع الآية القرآنية إلى أصلها؛ أي واقع المعنى المقصود منها، أو إلى ما ينطبق عليه معناها، من المصاديق. ففي كلا هذين المعنيين اخذ معناه اللغوي، و هو الأول و الارجاع إلى الأصل. فكما أنّ بالتأويل يرجع لفظ الآية و يؤول إلى حاقّ المعنى المقصود، فكذلك يرجع و يؤول به إلى واقع المعنى المقصود و مصداقه الخارجي.
و قد دلّت النصوص المتواترة على اختصاص علم التأويل بالأئمة المعصومين عليهم السلام الذين هم الراسخون في العلم.
ولكن لايخفى أنّ المراد من التأويل في هذه النصوص تأويل خصوص الآيات المتشابهات المشار إليها في قوله تعالى: «وَ ما يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ وَ الرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ»[١]. فلا يشمل تأويل غير المتشابهات و التأويل أعمّ من ذلك.
و قد نقلنا في الحلقة الاولى بعض هذه النصوص و لا نريد الاطناب في المقام. و إنّما المهمّ دراسة معنى التأويل في لسان نصوص الكتاب و السنّة و اصطلاح المفسرين.
حاصل كلام العلّامة الطباطبائي في حقيقة التأويل
و إنّ للعلّامة الطباطبائي كلاماً جامعاً في بيان حقيقةالتأويل[٢] وإليك حاصلكلامه:
اختلفوا في
[١] - آل عمران: ٧.
[٢] - قال قدس سره:« و فسّر قوم من المفسرين التأويل بالتفسير، و هو المراد من الكلام. و إذ كان المراد من بعض الآيات معلوماً بالضرورة، كان المراد بالتأويل على هذا من قوله تعالى: و ابتغاء تأويله و ما يعلم تأويله إلّااللَّه الآية، هو المعنى المراد بالآية المتشابهة، فلا طريق إلى العلم بالآيات المتشابهة على هذا القول لغير اللَّه سبحانه أو لغيره و غير الراسخين في العلم.
و قالت طائفة اخرى: إنّ المراد بالتأويل: هو المعنى المخالف لظاهر اللفظ. و قد شاع هذا المعنى بحيث عاد اللفظ حقيقة ثانية فيه، بعد ما كان بحسب اللفظ لمعنى مطلق الإرجاع أو المرجع.
و كيف كان فهذا المعنى هو الشائع عند المتأخرين، كما أنّ المعنى الأوّل هو الذي كان شائعاً بين قدماء المفسرين سواء فيه من كان يقول: إنّ التأويل لا يعلمه إلّااللَّه و من كان يقول إنّ الراسخين في العلم أيضاً يعلمونه، كما نقل عن ابن عباس: أنّه يقول أنا من الراسخين في العلم و أنا أعلم تأويله.
و ذهب طائفة اخرى: إلى أنّ التأويل معنى من معانى الآية لا يعلمه إلّااللَّه تعالى، أو لايعلمه إلّااللَّه و الراسخون في العلم مع عدم كونه خلاف ظاهر اللفظ، فيرجع الأمر إلى أنّ للآية المتشابهة معاني متعددة بعضها تحت بعض منها؛ ما هو تحت اللفظ تناله جميع الأفهام و منها ما هو أبعد منه لا يناله إلّااللَّه سبحانه، أو هو تعالى و الراسخون في العلم.
و قد اختلفت أنظارهم في كيفية ارتباط هذه المعاني باللفظ، فان من المتيقن أنها من حيث كونها مرادة من اللفظ ليس في عرض واحد، و إلّالزم استعمال اللفظ في أكثر من معنى واحد، و هو غير جائز على ما بيِّن في محله، فهي لا محالة معان مترتبة في الطول.
فقيل: إنّها لوازم معنى اللفظ، إلّاأنّها لوازم مترتبة؛ بحيث يكون للفظ معنى مطابقي و له لازم و للازمه لازم و هكذا.
و قيل: إنّها معان مترتبة بعضها على بعض ترتب الباطن على ظاهره فارادة المعنى المعهود المألوف إراة لمعنى اللفظ و إرادة لباطنه بعين إرادته نفسه، كما أنّك إذا قلت: اسقني فلا تطلب بذلك إلّاالسقي و هو بعينه طلب للإرواء، و طلب لرفع الحاجة الوجودية و طلب للكمال الوجودي، و ليس هناك أربعة أوامر و مطالب، بل الطالب الواحد المتعلق بالسقي متعلق بعينه بهذه الامور التي بعضها في باطن بعض و السقي مرتبط بها و معتمد عليها.
و هيهنا قول رابع: و هو أنّ التأويل ليس من قبيل المعاني المرادة باللفظ، بل هو الأمر العيني الذي يعتمد عليه الكلام؛ فان كان الكلام حكماً إنشائياً كالأمر و النهي، فتأويله المصلحة التي توجب إنشاء الحكم و جعله و تشريعه. فتأويل قوله: أقيموا الصلاة مثلًا هو الحالة النورانية الخارجية التي تقوم بنفس المصلي في الخارج فتنهاه عن الفحشاء و المنكر. و إن كان الكلام خبرياً؛
فان كان إخباراً عن الحوادث و الامور الحالية و المستقبلة، فهو على قسمين: فإما أن يكون المخبربه من الامور التي تناله الحواس أو تدركه العقول، كان أيضاً تأويله ما هو في الخارج من القضية الواقعة، كقوله تعالى: و فيكم سماعون لهم، و قوله تعالى: غلبت الروم في أدنى الأرض و هم من بعد غلبهم سيغلبون في بضع سنين.
و إن كان من الامور المستقبلة الغيبيّة التي لا تنالها حواسنا الدنيوية و لا تدرك حقيقتها عقولنا كالامور المربوطة بيوم القيامة و وقت الساعة و حشر الأموات و الجمع و السؤال و الحساب و تطائر الكتب، أو كان مما هو خارج من سنخ الزمان و إدراك العقول، كحقيقة صفاته و أفعاله تعالى، فتأويلها أيضاً نفس حقائقها الخارجية.
و الفرق بين هذا القسم- أعنى الآيات المبينة لحال صفات اللَّه تعالى و أفعاله و ما يلحق بها من أحوال يوم القيامة و نحوها- و بين الأقسام الاخرى: أنّ الأقسام الاخرى يمكن حصول العلم بتأويلها، بخلاف هذا القسم؛ فانّه لا يعلم حقيقة تأويله إلّااللَّه تعالى. نعم يمكن أن يناله الراسخون في العلم بتعليم اللَّه تعالى بعض النيل على قدر ما تسعه عقولهم، و أما حقيقة الأمر الذي هو حق التأويل فهو مما استأثر اللَّه سبحانه بعلمه. فهذا هو الذي يتحصل من مذاهبهم في معنى التأويل، و هي أربعة». الميزان: ج ٣ ص ٤٤- ٤٥.