دروس في القواعد التفسيرية - السيفي المازندراني، الشيخ علي أكبر - الصفحة ١٧٠ - تفسير قوله فأما الذين في قلوبهم زيغ فيتبعون ما تشابه منه
فينعقد البحث ههنا عن الجهتين الثانية و الثالثة.
أما الجهة الثانية: فقوله: «هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتابَ مِنْهُ آياتٌ مُحْكَماتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتابِ وَ أُخَرُ مُتَشابِهاتٌ» فأيضاً قد سبق الكلام فيه آنفاً بالتفصيل، فلا نعيد.
تفسير قوله: فأما الذين في قلوبهم زيغ فيتبعون ما تشابه منه
أما قوله تعالى: «فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ ما تَشابَهَ مِنْهُ ابْتِغاءَ الْفِتْنَةِ وَ ابْتِغاءَ تَأْوِيلِهِ»، لفظ «زيغ» معناه الميل. زاغ يزيغ؛ أي مال يميل، أزاغه اللَّه ازاغةً؛ أى أماله إمالةً، و المقصود الانحراف عن الحق إلى الباطل.
و المعنى أنّ المنافقين الذين في قلوبهم ميل و انحراف عن الحق إلى الباطل، يتّبعون؛ أي يأخذون متشابهات الآيات و يحتجون بها لاثبات باطلهم؛ ابتغاءً و طلباً للفتنة. قوله: ابتغاء تأويله؛ أي يطلبون تأويل المتشابهات إلى ما يوجب الفتنة و الفساد و يُحصّل بذلك غرضهم الفاسد. و الوجه في تأخّر قوله:
«وَ ابْتِغاءَ تَأْوِيلِهِ» أنّ ابتغاء الفتنة علّة غائية للتأويل، و مقتضى القاعدة تقدّم العلّة على معلولها في اللفظ، كما أنّ الأمر كذلك في الواقع الخارجي؛ لأنّ الغاية و الغرض من الفعل يدعوا الإنسان و يبعثه إلى الاتيان به.
و الفتنة تارةً: تكون في الدين بالبدعة فيه و تحريف القرآن عن معناه المقصود، و اخرى: في المسلمين بايجاد الفساد و الفُرقة و النفاق و الشقاق و العداوة و البغضاء بينهم طلباً للرئاسة و الحكومة و الأغراض السياسية و تكون القسم الأوّل من الفتنة مقدمة و وسيلة يُتوسّل به للقسم الثاني منها غالباً. فكان أهل السياسة و الرئاسة و الحكومة في طيلة القرون و الأعصار يستخدمون أهل البدع و التحريف في الدين و يتوسّلون بهم للنيل إلى أغراضهم. و هذا المنوال كان سيرة الحكومات الجائرة و السلاطين و الجبابرة لتشيد أركان