دروس في القواعد التفسيرية - السيفي المازندراني، الشيخ علي أكبر - الصفحة ١٣٥ - المحكم و المتشابه في منظر القرآن
و تبيينها للناس بالتفصيل لابدّ من اتقانها و متانتها و صوابها و صلامتها من أي تناقض و تضاد و اشتباه و علاقة و إبهام. و من هنا قال تعالى: «أُحْكِمَتْ آياتُهُ» في المرتبة السابقة قبل القائها و بيانها ثم فصّلت بتفصيل و بسط في مرتبة الالقاء و البيان اللفظي. و لا ريب في اتصاف الآيات القرآنية بذلك من حيث المجموع.
ثانيهما: قوله تعالى: «هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتابَ مِنْهُ آياتٌ مُحْكَماتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتابِ»[١].
و قد سبق أنّ الاحكام في هذه الآية بمعنى المصون و الممنوع من أيّ شبهة و تردّد و إبهام. و ذلك بقرينة ما جاءَ فيها من المقابلة بين المحكمات و المتشابهات. و لا منافاة بين توصيف بعض الآيات بالمتشابهات و بين توصيف جميعها بالاحكام من حيث المجموع نظراً إلى رفع التشابه عند الراسخين في العلم بردّ المتشابهات إلى المحكمات، هذا مع قلّة المتشابهات الخارجة عن حدّ القياس بمقدار المحكمات.
و من هنا قال: «هنّ امّ الكتاب»؛ أي أصل الكتاب و جذره الذي يتأمل و يتجذّر فيه كل متشابه و يتفرّع و يرجع إليه كتفرُّع الولد و رجوعه إلى امّه.
و أيضاً جاء وصف المحكم في موضع ثالث للسورة في قوله تعالى: «فَإِذا أُنْزِلَتْ سُورَةٌ مُحْكَمَةٌ وَ ذُكِرَ فِيهَا الْقِتالُ رَأَيْتَ الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ يَنْظُرُونَ إِلَيْكَ نَظَرَ الْمَغْشِيِّ عَلَيْهِ مِنَ الْمَوْتِ»[٢].
و الأحكام في هذه الآية بمعنى الإيضاح و البيان الرافع الاشتباه و التردد و سدّ الاحتمالات المخالفة لظاهر الآية أو صريحها.
و من هنا كان المنافقون يفهمون مراد الشارع بمجرد نزول هذه الآيات و لم يكن يروا أي طريق للتشكيك في مفادها و لا مخلطاً لتوجيهها فييأسون
[١] - آل عمران: ٧.
[٢] - محمد: ٢٠.