دروس في القواعد التفسيرية - السيفي المازندراني، الشيخ علي أكبر - الصفحة ٧٩ - حاصل كلام العلّامة الطباطبائي في حقيقة التأويل
______________________________
و
إذ كان المراد من بعض الآيات معلوماً بالضرورة، كان المراد بالتأويل على هذا من
قوله تعالى: و ابتغاء تأويله و ما يعلم تأويله إلّااللَّه الآية، هو المعنى المراد
بالآية المتشابهة، فلا طريق إلى العلم بالآيات المتشابهة على هذا القول لغير
اللَّه سبحانه أو لغيره و غير الراسخين في العلم.
و قالت طائفة اخرى: إنّ المراد بالتأويل: هو المعنى المخالف لظاهر اللفظ. و قد شاع هذا المعنى بحيث عاد اللفظ حقيقة ثانية فيه، بعد ما كان بحسب اللفظ لمعنى مطلق الإرجاع أو المرجع.
و كيف كان فهذا المعنى هو الشائع عند المتأخرين، كما أنّ المعنى الأوّل هو الذي كان شائعاً بين قدماء المفسرين سواء فيه من كان يقول: إنّ التأويل لا يعلمه إلّااللَّه و من كان يقول إنّ الراسخين في العلم أيضاً يعلمونه، كما نقل عن ابن عباس: أنّه يقول أنا من الراسخين في العلم و أنا أعلم تأويله.
و ذهب طائفة اخرى: إلى أنّ التأويل معنى من معانى الآية لا يعلمه إلّااللَّه تعالى، أو لايعلمه إلّااللَّه و الراسخون في العلم مع عدم كونه خلاف ظاهر اللفظ، فيرجع الأمر إلى أنّ للآية المتشابهة معاني متعددة بعضها تحت بعض منها؛ ما هو تحت اللفظ تناله جميع الأفهام و منها ما هو أبعد منه لا يناله إلّااللَّه سبحانه، أو هو تعالى و الراسخون في العلم.
و قد اختلفت أنظارهم في كيفية ارتباط هذه المعاني باللفظ، فان من المتيقن أنها من حيث كونها مرادة من اللفظ ليس في عرض واحد، و إلّالزم استعمال اللفظ في أكثر من معنى واحد، و هو غير جائز على ما بيِّن في محله، فهي لا محالة معان مترتبة في الطول.
فقيل: إنّها لوازم معنى اللفظ، إلّاأنّها لوازم مترتبة؛ بحيث يكون للفظ معنى مطابقي و له لازم و للازمه لازم و هكذا.
و قيل: إنّها معان مترتبة بعضها على بعض ترتب الباطن على ظاهره فارادة المعنى المعهود المألوف إراة لمعنى اللفظ و إرادة لباطنه بعين إرادته نفسه، كما أنّك إذا قلت: اسقني فلا تطلب بذلك إلّاالسقي و هو بعينه طلب للإرواء، و طلب لرفع الحاجة الوجودية و طلب للكمال الوجودي، و ليس هناك أربعة أوامر و مطالب، بل الطالب الواحد المتعلق بالسقي متعلق بعينه بهذه الامور التي بعضها في باطن بعض و السقي مرتبط بها و معتمد عليها.
و هيهنا قول رابع: و هو أنّ التأويل ليس من قبيل المعاني المرادة باللفظ، بل هو الأمر العيني الذي يعتمد عليه الكلام؛ فان كان الكلام حكماً إنشائياً كالأمر و النهي، فتأويله المصلحة التي توجب إنشاء الحكم و جعله و تشريعه. فتأويل قوله: أقيموا الصلاة مثلًا هو الحالة النورانية الخارجية التي تقوم بنفس المصلي في الخارج فتنهاه عن الفحشاء و المنكر. و إن كان الكلام خبرياً؛
فان كان إخباراً عن الحوادث و الامور الحالية و المستقبلة، فهو على قسمين: